موقع البيان الإسلامي
الرئيسة مؤلفات وردود مقالات مرئيات شعـــر مواقع للإتصال
.هذا الموقع يتناول قضية لا شك أنها أهم المهمات، أرجو أن يتسع صدرك لتصفحه، ولا يصدّنك ما قد ترى فيه أنه باطل عن اتباع ما فيه من الحق، والسلام على من اتبع الهدى



وصيّةٌ للمسلمين غداً


محمد سلامي 05-07-2020

 

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه وصيّتي لمن سبقناهم في الزمان وسبقونا إلى الإيمان..

وإن كنتُ غيرَ مؤهّل لإسداء النصح لمن يفوقونني فهماً لدين الله وعملا به، لكن أملاً في ألاّ تستصحب الأجيال القادمة معها أوساخنا، وخشيةَ أن نورّثهم أمراضنا ثم تتحوّل إلى عاهات دائمة أردت أن أترك لهم هذه الوصيّة، وهذا بعض حقهم علينا، لعل الله يعافيهم مما ابتلانا به.

فما نحقق اليوم هو مقدمة ومدخل وتمهيد فقط لما بعده، ودعوة الإسلام لم تبدأ بنا ولا تنتهي بنا، وما نحن إلا حلقة في سلسلة طويلة، ومجرد تجربة صغيرة ضمن مسار طويل، إن نؤمن فلسنا أول من آمن، وإن يكن غير ذلك فلسنا أول من فعل.

فلا نكن أنانيين ندور حول أنفسنا، ونتوهّم أننا محور العالم، وأن الدين لا يقوم إلا بنا ويذهب بذهابنا، وقد قال الله عز وجل لمن هم أفضل منا وقد شهد لهم بالإيمان: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) (المائدة: 54).

ولا يحق لنا أن نستشهد بقول الله عز وجل: (وَإِنْ يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ) (فاطر: 25)، فنحن لم نؤدّ ما علينا من البلاغ والبيان.

أقول لهؤلاء القادمين بعدنا:

ربما نكون قد خطونا خطوة إلى الأمام أفضل ممن قبلنا، لكنكم أعمق فهماً لدين الله منا، وما وصلنا إليه من فهم للإسلام ستنظرون إليه من بعدنا بنفس نظرتنا لما كان عليه من سبقنا، وستَعجبون أو تأسفون يومها من سفاهاتنا وضلالاتنا اليوم، كما نترفّع نحن عن ضلالات مَن قبلنا.

ربما ستدركون يومها أن دعوتنا قاصرة ومنهجنا مختلّ، وربما عقيدتنا خاطئة في بعض جوانبها، أو لم نحقق الإسلام أصلا، لكن هذا كل ما استطعنا الوصول إليه، ونبرأ إلى الله ممن يستدل بأخطائنا كما يفعل بعضنا بمن قبلنا، فلا تتخذونا حجة فأنتم أعلم بدين الله منا، ولا نَلفيَنّكم تحتجّون بما وصلنا إليه، فنحن لم نتخلّص نهائيا من تشوّهات الجاهلية، بل ضَعونا تحت بساط النقد: أصبنا هنا، وأخطأنا هناك، وقصّرنا في ذلك...

وإذا رأيتمونا قد حوّلنا مسائل الدين إلى مشاحنات شخصية، أو رأيتم منا مراءً ورياء واستكبارا عن الرجوع إلى الحق وحميّة جاهلية وعزة بالإثم وفحشا في القول فلا تتبعونا، بل اعتبروا بمآلنا.

ستَلقون من يقول لكم: إن فلانا ـ رحمه الله ـ كان وكان لا يُشقّ له غبار، حتى تتمنّوا لو عشتم ساعة في زمانه واكتحلت أعيُنكم برؤيته، فلا تصدّقوهم، وواصلوا مسيركم، فالإسلام أمامكم وليس وراءكم.

ولا تكونوا كبعضٍ منا، نرى الرجل يتكبر على خلق الله بما أتاه الله من علم ويتطاول عليهم بأقدميته، ناسيا أنه يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر، يقول: كيف وأنا علّمتكم؟! كما قال عبيد الله بن جحش للمسلمين لما تنصّر: فقَّحْنا وصَأصَأتم، أي: نحن أبصرنا وأنتم ما زلتم تحاولون فتح أعينكم.

ولعله بعد عمر طويل يصل إلى ما وصل إليه تلاميذه الذين خالفوه وكبُر عليه اتباعهم، وما جنى إلا على نفسه.

فما أحوجه إلى أن يعتبر بمن قال الله فيهم: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) (البقرة: 89).

ومنا من يرى نفسه قائدا ملهما غير أن الحظ لم يسعفه في أتباع صالحين، وقد أوجب عليهم الأخذ بكل اختياراته وطاعته في مسائل الشرع ومسائل الاجتهاد، وإلا طردهم من حوله وعدّهم غير جديرين بتلقّي علمه.

ومنا من لا يرضى بما دون فضيلة الشيخ، يريد أن يقول ويَسمع الآخرون، ولا يُردّ له قول ولا يعقّب على قوله إلا بالثناء والإعجاب، ولم يتعوّد على من يخطّئه، ولم يألف إلا الرؤوس المطأطأة التي تهاب السؤال فضلا عن إنكار الجواب، ويرى أن نُصحه وتصويبه انتقاص وتشغيب وممالأة للمشركين، وبدلا من تشجيعهم على طرح السؤال: لماذا؟ وما دليلك؟ يصنع منهم قطيعا من المريدين كالميت بين يدي غسّاله، ويفرض عليهم هيبته الزائفة.

فلننظر كيف كان العلماء والأمراء الصالحون يربّون المسلمين على قول كلمة الحق ويشجعونهم على النصيحة:

عن النعمان بن بشير أَنَّ عُمَر قَالَ يَوْمًا فِي مجلسٍ وَحَوْلَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ: أرأَيتم لَوْ تَرَخَّصتُ فِي بَعْضِ الأَمْرِ، مَا كُنْتُمْ فَاعِلِينَ؟ فَسَكَتُوا، فَعَادَ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلاثًا، قَالَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: لَوْ فعلتَ، قَوَّمْنَاكَ تَقْوِيمَ الْقَدْحِ، قَالَ عُمَرُ: أَنْتُمْ إِذًا أنتم. (رواه البخاري في التاريخ).

وقد قال عمر بن الخطاب: رَحِمَ اللهُ مَنْ أَهْدَى إِلَيَّ عُيُوبِي. (سنن الدارمي).

وعن أبي قَبيل قال: خَطَبَنَا مُعَاوِيَةُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ فَقَالَ: إِنَّمَا الْمَالُ مَالُنَا وَالْفَيْءُ فَيْئُنَا، مَنْ شِئْنَا أَعْطَيْنَا وَمَنْ شِئْنَا مَنَعْنَا، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَلَمَّا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الثَّانِيَةُ قَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَلَمَّا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الثَّالِثَةُ قَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِمَّنْ شَهِدَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ: كَلَّا بَلِ الْمَالُ مَالُنَا وَالْفَيْءُ فَيْئُنَا، مَنْ حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ حَاكَمْنَاهُ بِأَسْيَافِنَا، فَلَمَّا صَلَّى أَمَرَ بِالرَّجُلِ فَأُدْخِلَ عَلَيْهِ، فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ، ثُمَّ أَذِنَ لِلنَّاسِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَكَلَّمْتُ فِي أَوَّلِ جُمُعَةٍ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ أَحَدٌ، وَفِي الثَّانِيَةِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ أَحَدٌ، فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ أَحْيَانِي هَذَا أَحْيَاهُ اللَّهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (سَيَأْتِي قَوْمٌ يَتَكَلَّمُونَ فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ، يَتَقَاحَمُونَ فِي النَّارِ تَقَاحُمَ الْقِرَدَةِ)، فَخَشِيتُ أَنْ يَجْعَلَنِيَ اللَّهُ مِنْهُمْ، فَلَمَّا رَدَّ هَذَا عَلَيَّ أَحْيَانِي أَحْيَاهُ اللَّهُ، وَرَجَوْتُ أَنْ لَا يَجْعَلَنِيَ اللَّهُ مِنْهُمْ. (رواه أبو يعلى وفي سنده ضمام بن إسماعيل مختلف فيه).

وعن عمرو بن مهاجر قال: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إِذَا رَأَيْتَنِي قَدْ مِلْتُ عَنِ الْحَقِّ، فَضَعْ يَدَكَ فِي تَلْبَابِي ثُمَّ هُزَّنِي ثُمَّ قُلْ: يَا عُمَرُ مَا تَصْنَعُ؟ (حلية الأولياء للأصبهاني).

ومنا من وصل به الحال إلى القول أن من ينتقده قد حارب الله بمحاربته أولياء الله، وهكذا يلعب به الشيطان، فأقنع نفسه وأقنعوه بأنه محور الدعوة ومركزها وقطب رحاها وأُسّها ورأسها وذروة سنامها وجُذَيلها المحكّك وعُذَيقها المرجّب، منه بدأت وإليه تعود، وذهابه ذهابها، فإذا مُسّ هو في شخصه مُسّت الدعوة في صميمها وانهارت، ولذلك يدافع عن نفسه باستماتة منقطعة النظير، ويحطّم كل ما حوله.

وعندما تتحول الدعوة إلى قضية شخصية يصبح رضى الله عز وجل أمرا ملغىً من الحسابات، لأن القضية لا تكون مقابَلة بين رضى الله ورضى النفس، وإنما هي مقابلة بين رضى النفس ورضى الناس.

إن الداعية الحق هو الذي يذود عن دين الله بعِرضه، (نحري دون نحرك)، فهو لا يدافع عن نفسه وإن هضمه الناس حقّه، ولكن يتنازل عن حقوقه الشخصية لفائدة الهدف الأسمى، راضية بذلك نفسه، وأما من كانت ذاتُه هي المحور وكانت نفسه عليه عزيزةً فليس أهلاً لحمل هذا المشروع الكبير.

ومنا من يبتزّ الناسَ بالدنيا ليتبعوه، ويجعلهم رهينة في يديه يطَأون عقبيه ويأخذون بأمره ونهيه، ويحيط نفسه بحاشية تُقبّل يده صباح مساء، وتتملّق له وتدافع عنه بحماسة شديدة، وترضى لرضاه وتغضب لغضبه، ولا تسأله: فيم رضيتَ أو غضبت؟

فيحُلّ الشيخ محلّ العقيدة، ويصبح محورا للولاء والبراء، ويغضب له أتباعه أكثر من غضبهم لله، وقد رأينا الواحد منهم يُستفزّ في عقيدته فلا يحرك ساكنا، وعندما يُنتقَص شيخه ينتفض شاهرا لسانَه كأنما نُشط من عِقال.

فكيف لهم أن يقوّموه إن رأوا فيه اعوجاجا؟ بل كيف يرون الاعوجاج وهم في سكرتهم يعمهون؟ وقد أخذ بألبابهم وسلّموا له عقولهم وقلوبهم فهي رهينة عنده، فلو سألت محبّي الشيخ فلان لوجدتهم اجتمعوا على تبجيل ما يحمل شيخهم من علوم فقط، والتسويق له بين الناس قبل الدعوة إلى دين الله.

وهذا الجو الذي يعيشه هؤلاء المريدون مع شيخهم يشجّعه على فعل ما يحلو له ونشره، وهكذا تكون الجريمة متبادلة بين الرأس والأتباع من مكتوفي العقول.

كما أن هذه البيئة مناسبة لصنع الزعامة الزائفة والتحكم في التيار من طرف العدو الذي يجيد العمل من خلال خطة الخصم، وينفذ من خلال ثغرة الانفلات والفوضى، كما يستغل ثغرة الانقياد الأعمى، فإذا وجد قوما مطيعين لشيخهم تحكّم فيهم عن طريقه، كما يفعل مع الشيعة والصوفية، ويصنع منه صنما بعد تعظيمه في أعين أتباعه وتحطيم مخالفيه لمعرفته بنقطة ضعفه وهي خشيته الدائمة على سمعته وهيبته.

فالناس تبحث عن رمز تلتفّ حوله، ثم تضخمه إلى أن تؤلهه، وتنطلق من الاقتداء وينتهي بها الحال إلى الإطراء، وبداية الانحراف خطوة صغيرة، فالأئمة الذين أكدوا على اتباع الكتاب والسنة وترك كلامهم المخالف صار أتباعهم جيلا بعد جيل لا يردّون لهم قولا، كأن فهم الوحي حكر عليهم.

ومنا من يتصور أن إيمانه يزيد بإسقاط المنافسين لا بمحاسبة نفسه، ويتخذ من التكفير والتبديع والتفسيق وسيلة للتشفّي والتنفيس عن الغيظ، ووسيلة للتخلص من المخالفين وعزلهم وإسكاتهم، وضربا من ضروب الهجاء والشتم والتنابز بالألقاب بين التيوس المتناطحة.

فالتكفير الذي هو ضابط من ضوابط التوحيد يحوّله إلى انفعالات ظرفية وثارات عدوانية يُفرغ به شحناته الصبيانية، وسرعان ما تنطفئ تلك الحماسة المتأجّجة، ولا يجد في ما يملك من دين مانعا من الكفر عندما يواجه متطلبات الحياة كالعمل والأسرة.

وحقيقة مبتغاه هي أن يتوب الناس إليه، فبدلا من العمل على إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد يسعى بلسان حاله إلى أن يعبّدهم لنفسه، حتى يأتيه المسكين منهم طالبا العفو والصفح لأنه يخاف أن يكفّره الناس لا يخاف النار، ويخاف إسخاط الناس لا إسخاط ربه، ويريد منهم أن يشهدوا بإسلامه، ويخشى أن يشهدوا بكفره ولا يخشى الكفر نفسه، ولا يحرص على الإيمان كما أراده الله وابتغاء وجهه، كأن شهادتهم له بالإسلام هي التي تدخله الجنة، وكأن الجنة والنار طوع بنانهم، وهكذا يعشش النفاق في النفوس الضعيفة، فأنّى لمثل هؤلاء أن يقيموا دينا؟

ولقد كان الباحثون الصادقون عن الدين من عامة الناس يتخيّلون من سابقيهم ودعاتهم أنهم الأمل الذي بدأ يبزغ لإعادة التوحيد إلى الواقع، فإذا بهم يرون بعضهم أحطَّ أخلاقا من غيرهم بشكل مؤسف، حيث يدعون لأنفسهم لا لدين الله، ويغضبون لأنفسهم لا لله، وعامة الناس يحسنون فرز النفوس السليمة من السقيمة وإن لم يحسنوا أحيانا فرز العقائد الصحيحة من الباطلة.

ومنا من لا يدعو المشركين إلا بقوله: أنتم كفار مشركون عليكم لعنة الله، وإذا سألوه دليلا سكت ولم يحرك جوابا، وإن كان الدليل في متناول يده، وقد يقدم أدلة باطلة على الدين الحق، فيُضل الناس بغير علم، ولا يكاد يحفظ من أساليب الجدال مع المشركين إلا قول أبي بكر لعروة بن مسعود أو قول عمر لأبي سفيان، ويخلط بين معاملة العدو المحارب ومجلس الدعوة والمناظرة.

الناس تتكلم لإقناع غيرها بعقائدها، وهو لا ينطق إلا للتنفيس وشفاء الصدر لينام قرير العين، كالذي أدّى ما عليه، ناسيا أن المسلم موصوف بقول الله تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) (الفرقان: 63)، لا يقول له المشركون: سلاماً، اتّقاءَ فُحشه.

إن ميدان الدعوة والبيان ليس ميدانا للقتال، واستصحاب الحماسة القتالية في الكلام العلمي خطأ، فيلزم التمييز بين موقعة حربية ومناظرة علمية، يقول الله عز وجل عمن يبلّغون رسالات ربهم: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) (القصص: 55)، وهذا يختلف عن حال المقاتل.

وينبغي أن ندرك أن ما بيننا وبين الكفر أربى من الشتم، حتى لا نكون عارا على الإسلام فيقال أنه دين السباب لا البرهان، وثأرُنا من الكفر أكبر من الدم، والثأر على قدر المصيبة، ومصيبتنا في ديننا الذي محته الجاهلية، فمهمّتنا هي إخراج الكفر من القلوب وهذا لا يكون إلا بالإقناع.

لذلك يلزمنا أن نغلّف دعوتنا بغلاف جميل، فيشبه ظاهرُها باطنَها، مثلما يغلّفون كفرهم وانحرافهم بكل ما هو جميل، كالحرية والانفتاح والعصرنة والحداثة مهما كانت شرائعهم ظالمة ومفسدة.

فلنقدم الإسلام في صورة الحرية مثلا، وهو الحرية بحق لا ما يدّعون، ولا نظهره بمظهر المقيّد للحرية، ونبرز ما فيه من كل خير يفتقده الناس، كما قال ربعي بن عامر لقائد الفرس رستم: اللَّهُ ابْتَعَثَنَا لِنُخْرِجَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَمِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إِلَى سِعَتِهَا، وَمِنْ جَوْرِ الأَدْيَانِ إِلَى عَدْلِ الإِسْلامِ، فَأَرْسَلَنَا بِدِينِهِ إِلَى خَلْقِهِ لِنَدْعُوَهُمْ إِليْهِ، فَمَنْ قَبِلَ مِنَّا ذَلِكَ قَبِلْنَا ذَلِكَ مِنْهُ وَرَجَعْنَا عَنْهُ، وَتَرَكْنَاهُ وَأَرْضَهُ يَلِيهَا دُونَنَا، وَمَنْ أَبَى قَاتَلْنَاهُ أَبَدًا، حَتَّى نُفْضِيَ إِلَى مَوْعُودِ اللَّهِ. (تاريخ الطبري).

وقد أذِن النبي صلى الله عليه وسلم للحبشة أن يلعبوا بحرابهم في المسجد، وقال: (لِتَعْلَمَ يَهُودُ أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً، إِنِّي أُرْسِلْتُ بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَةٍ) (رواه أحمد).

ومنا من يقدّم نفسه بديلا عن المخالف عِوضا عن تقديم عقيدته بديلا عن عقيدة مخالفه التي تبقى محفوظة لم تُهدم دعائمها ولم تبطل شبهاتها، فلا هو رفع إسلاما ولا وضع كفرا، وإنما كل همه استهداف الأشخاص بحق أو بباطل، وبالتالي يتحول هذا المخالف المبطل إلى ضحية لسوء الخُلق يجعله يتمسك بضلاله بحجة أن الأنبياء والصالحين تعرّضوا لمثل ذلك، أو يحقد على صاحبها لأنه يريد الشرف لنفسه، (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ) (المؤمنون: 24)، فكيف بمن يريد التفضل عليهم حقا؟ وقد قيل أن العقول الكبيرة تناقش الأفكار، والعقول المتوسطة تناقش الأشياء، والعقول الصغيرة تناقش الأشخاص‎.

وكأنه يقدّس نفسه أكثر من دين الله، فإذا شتموه ضجّ مستنكرا ونسي ما كان يدعو إليه، وينفضّ المجلس دون أن يسمع المشرك كلام الله، أو ينتفع منه بما يجعله يفكّر من بعد، والمستفيد في النهاية هو الشرك، لأن الحال يبقى على ما هو عليه.

إن الذي يدعو إلى الله لا ينتصر لنفسه ولا يشغله الدفاع عنها، ولا يجد في نفسه شيئا على شاتميه، كأنه لم يسمع ولم ير، لأن غايته أكبر من نفسه، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن إجابة أبي سفيان في أُحُد لما سأل عمّن بقي حيا، وأمرهم بالرد عليه لما نادى بالكفر.

عن البراء بن عازب أن أبا سفيان قال: أَفِي القَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجِيبُوهُ، ثُمَّ قَالَ: أَفِي القَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: أَفِي القَوْمِ ابْنُ الخَطَّابِ؟ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَمَّا هَؤُلاَءِ، فَقَدْ قُتِلُوا، فَمَا مَلَكَ عُمَرُ نَفْسَهُ، فَقَالَ: كَذَبْتَ وَاللَّهِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، إِنَّ الَّذِينَ عَدَدْتَ لَأَحْيَاءٌ كُلُّهُمْ، وَقَدْ بَقِيَ لَكَ مَا يَسُوءُكَ، قَالَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالحَرْبُ سِجَالٌ، إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي القَوْمِ مُثْلَةً، لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي، ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ: أُعْلُ هُبَلْ، أُعْلُ هُبَلْ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلاَ تُجِيبُوا لَهُ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا نَقُولُ؟ قَالَ: (قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ)، قَالَ: إِنَّ لَنَا العُزَّى وَلاَ عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَلاَ تُجِيبُوا لَهُ؟)، قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا نَقُولُ؟ قَالَ: (قُولُوا اللَّهُ مَوْلاَنَا، وَلاَ مَوْلَى لَكُمْ) (رواه البخاري).

هذا ليعلّمنا تعظيم الدين أكثر من الداعية، بخلاف الذين ضيّعوا دين الله بل حاربوه وهم يعظمون النبي صلى الله عليه وسلم إلى حد الإطراء.

ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قام أبو بكر رضي الله عنه فقال: أَلا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، وَقَالَ: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) (الزمر: 30)، وَقَالَ: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (آل عمران: 144) (رواه البخاري)، وهذا رسول الله، فما بالك بغيره؟

ولذلك كان موسى عليه الصلاة والسلام يركّز على جوهر دعوته كلما حاول فرعون الخروج عن الموضوع وتحويل مسار الحديث نحو شخص الداعية، كما قال الله تعالى: (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) (الشعراء: 28).

هناك من يبحث عن دين يتمسك بأحكامه، وهناك من يبحث عن شخص يتمسك بجلبابه، ولا يستطيع العيش إلا في ظله، ولا يستهويه الدليل، وإن غاب هذا المتبوع انفلت، ولذلك يحتمي بشخصية المتبوع.

وتجد شخصية المتبوع مرتعها في مثل هؤلاء الأتباع فتفرض عليهم منطقها وسطوتها، وتغلق عليهم بأسوار وهمية لا يستطيعون الانفكاك منها، ولا يريدون، فالداعية الزعيم عندما لا يجد ما يُقنع به الأتباع يفرض عليهم سلطانه وهيبته ليضبطهم ويثبّتهم على الولاء، ليتحول الأمر إلى طغيان جديد يؤدي إلى النفاق والجهل والانغلاق، وتتحول الساحة إلى سجن.

فلمن يريد وضع الإسلام في جيبه نقول: الإسلام أكبر منك، ولأصحاب المشاحنات الطفولية نقول: اِلعبوا بعيدا عن هذا الدين، وأفرغوا مكبوتاتكم في مكان آخر.

قد يكون الجهاد والدعوة وتغيير المنكر في سبيل الدنيا وحظوظ النفس، وقد يتلبس الحسد بلبوس التقوى والغيرة على الشرع، وقد تُلتمس الدنيا بعمل الآخرة، ففي سبب نزول قول الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ) (النساء: 94) قال ابن عباس: كَانَ رَجُلٌ فِي غنَيْمَةٍ لَهُ فَلَحِقَهُ المُسْلِمُونَ، فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا غُنَيْمَتَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ: (تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا) تِلْكَ الغُنَيْمَةُ. (رواه البخاري ومسلم).

فلينظر كل منا في نيته فقد تختلط نية الخير والشر في نفس الإنسان، ويظن أنه بمجرد تقديم مكاسب لدين الله فهذا كل المراد، أفيأمن أن يكون هو ذاك الفاجر الذي ينصر الله به دينه وليس له من الأجر شيء؟ كما جاء عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ) (رواه البخاري ومسلم).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ) (رواه مسلم).

وقال: (إِنَّمَا الأَعمَالُ بِالنّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امرِئٍ مَا نَوَى، فَمَن كَانَت هِجرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَن كَانَت هِجرَتُهُ إِلَى دُنيَا يُصيبُهَا، أَو إِلَى امرَأَةٍ يَنكِحُهَا، فَهِجرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيهِ) (رواه البخاري ومسلم).

وقد قال الله عز وجل لأهل بدر: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) (الأنفال: 68).

وقال لأهل أحُد: (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) (آل عمران: 152).

ومن أسوأ ما نرى في زماننا أطفال من كبار السن يرضى أحدهم أن يظَل الناس على كفرهم وضلالهم دون أن يهتدوا على يد فلان، ويحطّم الدعوة حتى لا يرفعها غيره، وأن يبقى الإسلام على هذه الحال أحبّ إليه من أن يظهر على يد غيره!

ولا همّ له إلا الوقوف بالمرصاد لكل من يطلّ برأسه ممن يراهم منافسين له على صدارة المشهد كما تفعل الضرائر، ويتصور أن الإسلام قادم وهو يضع العصا في عجلته ويصدّ عن سبيله، ويعمل على إفشال الناجحين بدلا من مساعدة الفاشلين على النجاح، وهو يرى أعداء الدين يدرّبون الكفاءات ويستغلون الطاقات الشابة المتجددة، ويقفون مع الضعيف حتى يقوى، ويشجعون الفاشل حتى ينجح نصرة لدينهم.

ويطعن سابقيه من الخلف حسدا على ما آتاهم الله من فضله، فلا يقبل أن يتحدث أحد باسم الإسلام غيره، بدلا من أن يلحق بالسابقين ويعينهم كما تعلم موسى من الخضر وكما تعاون مع أخيه هارون.

والمشكلة أن من أنكر عليه فهو مثير فتنة وعميل مدسوس، يجب تحييده وشيطنته وإلصاق كافة الخلال السيئة به، لكي لا يشقّ الصف، بل يفرّق الأتباع، وهذا الجو الخالي من النصح والنقد جدير بأن يعشّش فيه الكفر فضلا عما دونه من المنكرات.

ورمي المسلم بالعمالة هو رمي بالنفاق والكفر، والله يقول: (وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ) (محمد: 30)، فلا يجوز رمي مسلم بالردة وإن ظهرت لنا ملامح النفاق، ومن ثبت إسلامه بيقين لا يزول عنه بالشك.

فمجتمع المسلمين يكفل الحرية للفرد في فعل الخير، ويفتح الباب أمام الطاقات ولا يدفنها، ليتسنى للجميع إعلاء كلمة الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يعيشون في جو الدسائس والشكوك، حتى لا ينكفىء المسلم على نفسه ويهتم بخاصة نفسه كما نشاهد، حيث تكثر الشكوك، وأعداء الدين بيننا يعرفون ضعفنا تجاهها فيزيدونها اتساعا، ويضيع ما اتفقنا عليه مهما كان كبيرا.

إن اختراق الصف من طرف العدو يتطلب الحيطة والحذر، كما أرشدنا الله تبارك وتعالى، فقال: (وَخُذُوا حِذْرَكُمْ) (النساء: 102)، دون أن يتحول الحس الأمني إلى وساوس وشكوك تبنى عليها الدعاوى، بل لنا شريعة نسير على ضوئها في هذا الشأن، فيقول الله عز وجل: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا) (الحجرات: 12).

ويقول: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات: 6).

ويقول: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النساء: 83).

وقد قال خالد بن الوليد رضي الله عنه عن رجل: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ فَقَالَ: (لَا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلّي) قَالَ خَالِدٌ: وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ، وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ) (رواه البخاري ومسلم).

ومنا كثير الكلام عن نفسه وعن مغامراته في سبيل الله، يُحسن الظن بنفسه ويسيء الظن بغيره، وربما وصل به الحال إلى أن يدبّج المقالات باسم غيره في تعداد خصاله ومناقبه الحميدة وأعماله الجليلة تفضلا منه على الإسلام، فماذا أبقى من عمله لله؟

قال رجل لعمر بن عبد العزيز: جَزَاكَ اللهُ عَنِ الْإِسْلَامِ خَيْرًا، قَالَ: لَا، بَلْ جَزَى اللهُ الْإِسْلَامَ عَنِّي خَيْرًا. (حلية الأولياء للأصبهاني).

وعن سُليم بن حنظلة قال: أَتَيْنَا أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ لِنَتَحَدَّثَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَامَ قمْنَا، وَنَحْنُ نَمْشِي خَلْفَهُ، فَرَهَقَنَا عُمَرُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَتَبِعَهُ، فَضَرَبَهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ، قَالَ: فَاتَّقَاهُ بِذِرَاعَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا نَصْنَعُ؟ قَالَ: أَوَ مَا تَرَى؟ فِتْنَةً لِلْمَتْبُوعِ مَذَلَّةً لِلتَّابِعِ؟ (سنن الدارمي).

وعن صالح المرّي قال: وقف مطرّف بن عبد الله بن الشِّخّير وبَكر بن عبد الله المُزَني بعرفة، فقال مُطرّف: اللهم لا تردّهم اليوم من أجلي. وقال بَكر: ما أشرفه من مقام وأرجاه لأجله لولا أنّي فيهم. (صفة الصفوة لابن الجوزي).

وقال يحيى بن معين: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ؛ صَحِبْنَاهُ خَمْسِينَ سَنَةً مَا افْتَخَرَ عَلَيْنَا بِشَيْءٍ مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنَ الصَّلَاحِ وَالْخَيْرِ. (حلية الأولياء للأصبهاني).

هكذا تربّى المسلمون على أيدي علمائهم، فأين اللُّكَع بن اللّكع الذي لا يملك إلا شهوة التسلط على السذّج؟! ويصنع منهم قطيعا يكادون يدلكون وجوههم بنخامته، وهو الحريص على الانتساب إلى الأشراف العلويين لغاية في نفسه نعلمها جميعا، ويكاد ينطق بها: وَلُّوني ولو على حجَر، ولّوني ولو في زنزانة، ولّوني اليوم واقتلوني غداً!

ومنا من يربط الدعوة كلها بقدراته العلمية واختصاصاته، فإن كان ضليعا في التفسير أو الأصول أو الحديث طبَع مسيرتهم كلها بذلك، وربما جعل اسمه عنوانا للدعوة كلها، دون أن يكون وسط الجمع من يقول: لا، لا نقبل أن يُختزل الإسلام في هذا وأمثاله، والحيّ لا تؤمن عليه الفتنة، إن الإسلام أكبر مما نرى، ولا نقبل هذا السكون المميت، وإذا سكتنا اليوم فكيف إذا كان يتمتع بالقوة الصلبة غدا؟ ألا يجعلنا نقتتل تحت قدميه؟

والدعوة عنده تَجمّلٌ لا مناصحة، ويخدم نفسه بالعلم ولا يخدم الدين، فيدعو إلى نفسه تحت عنوان الدعوة إلى الله، ولتكون له الكلمة العليا لا لتكون كلمة الله هي العليا، ويحب ويبغض في نفسه لا في الله.

قيل لحمدون بن أحمد: مَا بَالُ كَلَامِ السَّلَفِ أَنْفَعُ مِنْ كَلَامِنَا؟ قَالَ: لِأَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا لِعِزِّ الْإِسْلَامِ وَنَجَاةِ النُّفوسِ وَرِضَاءِ الرَّحْمَنِ، وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ لِعِزِّ النَّفْسِ وَطَلَبِ الدُّنْيَا وَقَبُولِ الْخَلْقِ. (حلية الأولياء للأصبهاني).

وهو لا يتكلم إلا بضمير الجمع المتكلم، ويصف درسه بالمبارك، ويصف ما يكتب بالبحث القيّم جدا والجواب الكافي الشافي الذي لم يُسبق إلى فوائده وفرائده، وإذا كتب قدّم بالخطبة المشهورة: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي امْتَنَّ عَلَى الْعِبَادِ بِأَنْ يَجْعَلَ فِي كُلِّ زَمَانِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، يَدْعُونَ مَنْ ضَلَّ إِلَى الْهُدَى...

ويطلب العلم ليُثبت في النهاية أنه ليس تحت أديم السماء أفقه منه، فمن التصرفات الرخيصة التي تُخرج ما في القلوب من رياء نرى التبارز بالعلم والتعالي به عِوضا عن الحق، فيسعى الواحد لإثبات ما عند المخالف من جهل لا لإبطال ما عنده من باطل، ويزدري غيره بالقول أنه لم يشمّ رائحة العلم كنتيجة لكل مسألة.

فلنسمع هذا الحديث الذي ينبغي أن يعيَه كل طالب علم قبل أن يبدأ في طلبه، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من طلب العلمَ لِيُباهيَ به العلماءَ ويُماريَ به السفهاءَ أو لِيصرِفَ وجوهَ الناسِ إليه فهو في النار) (رواه الترمذي وابن ماجه وفي سنده ضعفاء وهم إسحاق بن يحيى وحماد بن عبد الرحمن وأبو كرب، قال الألباني: صحيح لغيره).

وفي قول أبي بكر رضي الله عنه: وُلّيتُكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، قال الحسن: بَلَى وَاللَّهِ إِنَّهُ لَخَيْرُهُمْ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ يَهْضِمُ نَفْسَهُ. (الزهد لأبي داود).

وعن أيوب بن المتوكل قال: كَانَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ إِذَا اسْتَفَادَ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا أَرَاهُ بأَنَّهُ اسْتَفَادَ مِنْهُ، وَإِذَا أَفَادَ إِنْسَانًا شَيْئًا لَمْ يُرِهِ بِأَنْ أَفَادَهُ شَيْئًا. (شعب الإيمان للبيهقي).

وقال الشافعي: وَدِدْتُ أَنَّ النَّاسَ تَعَلَّمُوا هَذِهِ الْكُتُبَ وَلَمْ يَنْسِبُوهَا إِلَيَّ. (صحيح ابن حبان).

وقال الأعمش: جَهَدْنَا بِإِبْرَاهِيمَ أَنْ نُجْلِسَهُ إِلَى سَارِيَةٍ فَأَبَى. (سنن الدارمي).

وقال عبد الرحمن بن مهدي: كُنْتُ أَجْلِسُ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَيَجْلِسُ إِلَيَّ النَّاسُ، فَإِذَا كَثرُوا فَرِحْتُ، وَإِذَا قَلُّوا حَزِنْتُ، فَسَأَلْتُ بِشْرَ بْنَ مَنْصُورٍ، فَقَالَ: هَذَا مَجْلِسُ سُوءٍ لَا تَعُدْ إِلَيْهِ، فَمَا عُدْتُ إِلَيْهِ. (شُعب الإيمان للبيهقي).

وقال يونس بن عُبيد: دَخَلْنَا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ نَعُودُهُ فَقَالَ: وَمَا يُغْنِي عَنِّي مَا يَقُولُ النَّاسُ إِذَا أُخِذَ بِيَدَيَّ وَرِجْلَيَّ وَأُلْقيتُ فِي النَّارِ؟ (الورع لأحمد).

ومنا من يفتح للناس أبواب جهنم ليَشفي صدره غير آسِف! كأنه ـ بل إنه ـ فرِحٌ بكفرهم كفرح إبليس بكفر ابن آدم، ويصيح كأنه حضر فتحا للإسلام: الله أكبر، انظروا إلى فلان ما يقول أو ما يفعل، لا لتغيير منكره، ولكن فرحا بصدور المنكر ممن لا يهوى مزاجه، فكيف يفرح مسلم في موطن يَسخط الله فيه؟ وهل كان أنبياء الله يتضاحكون من كفر كافر؟

وبما أن ذوي النفوس الدنيئة يجدون اللذة في التفتيش عن أخطاء غيرهم نراه يتصيّد زلات غيره ويَعُدّ عليهم أنفاسهم لفضحهم لا لنصحهم، ولإسقاطهم في أعين الناس لا لدعوتهم إلى التوبة رحمة بهم، ويعين الشيطان عليهم ويدفعهم دفعا نحو الضلال، ولا يرى الكفر مرضا يعالجه ويساعد صاحبه في التخلص منه، وإنما هو فضيحة يتلقفها ليطير بها وينشرها مقرونة بألوان السباب، فإن لم يجد قوّلهم ما لم يقولوا، وحكم على مآلات أقوالهم وألزمَهم ما لم يلتزموا، ثم ينفخ فيها حتى يجعلها عنوانا لهم.

وهذا حقيق بأن يسلبه الله ما بقي في قلبه، الله يفرح بتوبة العبد وهو يفرح بهلاكه، وأين هو من قول الله تعالى: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) (الكهف: 6)؟ كاد يُهلك نفسه حزنا وغمّا وهو يجري خلفهم لحرصه على إسلامهم، حتى قال له ربه تسليةً له: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) (فاطر: 8).

قال الشافعي: مَا نَاظَرْتُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا أَحْبَبْتُ أَنْ يُوَفَّقَ وَيُسَدَّدَ وَيُعَانَ، وَيَكُونَ عَلَيْهِ رِعَايَةٌ مِنَ اللَّهِ وَحِفْظٌ، وَمَا نَاظَرْتُ أَحَدًا إِلَّا وَلَمْ أُبَالِ بَيَّنَ اللَّهُ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِي أَوْ لِسَانِهِ. (حلية الأولياء للأصبهاني).

وقيل لحاتم الأصمّ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنْتَ رَجُلٌ أَلْكَنُ أَعْجَمِيٌّ لَيْسَ يُكَلّمُكَ أَحَدٌ إِلَّا قَطَعْتَهُ، قَالَ: مَعِي ثَلَاثُ خِصَالٍ بِهِنَّ أَظْهَرُ عَلَى خَصْمِي، قَالُوا: أَيُّ شَيْءٍ هِيَ؟ قَالَ: أَفْرَحُ إِذَا أَصَابَ خَصْمِي، وَأَحْزَنُ إِذَا أَخْطَأَ، وَأَحْفَظ نَفْسِي أَنْ لَا أَتَجَهَّل عَلَيْهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ مَا أَعْقَلَهُ. (حلية الأولياء للأصبهاني).

ومنا من يعامل عامة المشركين بالحسنى وهم يخالفون التوحيد في أكثر جوانبه، لكنه يهجر من خالف التوحيد في قضية واحدة لشبهة ما، وهو أقرب إلى الإسلام من غيره وإن لم يكن مسلما، ويفرح لمقتل من خالف أصل الدين تأويلا أو سالمه على الأقل على يد من خالفه قصدا وعادى الإسلام جملة وتفصيلا، ويفضّل من أراد الباطل وأدركه على من أراد الحق ولم يدركه.

أما الصحابة رضي الله عنهم فكانوا يفضلون أبا طالب على أبي جهل، وكانوا يحبّون انتصار الروم لأنهم أهل كتاب على الفرس المجوس، وإن كان جميعهم كفارا، كما ذكر الله عز وجل: (غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ) (الروم: 5).

عن ابن عباس قال: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُحِبُّونَ أَنْ تَظْهَرَ فَارِسُ عَلَى الرُّومِ، لِأَنَّهُمْ أَهْلُ أَوْثَانٍ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أَنْ تَظْهَرَ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ، لِأَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، فَذَكَرُوهُ لِأَبِي بَكْرٍ، فَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَمَا إِنَّهُمْ سَيَغْلِبُونَ) (رواه أحمد والترمذي).

ومنا الذي إذا استُغني عنه أو انقلب عليه الأتباع إذا بلغ السيل الزُّبَى وطفح كيله حوّل عقيدته إلى حيث يجد مبتغاه، وانقلب ضد الدعوة ككل وفضحها أمام أعدائها، وسلَق الجميع بلسان حادّ، وعِوضا عن انتقاد ممارسات الأشخاص يعادي التيار والعقيدة بكاملها، دون أن يعمل على الإرشاد، يودّ أن ينتصر الإسلام به وإلا فلا، كأن الإسلام مِلك لأبيه.

ويأبى إلا أن يسير الركب خلفه، فإن تحقق له ذلك وإلا هدم البيت وشتّت القافلة ووقف منها موقف العدو، ليبني لنفسه مجدا جديدا، وليتَه إذ لم يتبع غيره ترك الجمع وانسحب في هدوء، بل لا يهنأ إلا إذا ترك الدخان خلف ظهره، ليقول في الأخير: انظروا ما يجري إذا استغنيتم عنّي.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفعَ لَمْ يُشَفَّعْ) (رواه البخاري).

ومنا من لا يتورع عن وصف نفسه بالعالم الربّاني، وكل هدفه هو أن يجعل من اسمه علامة بارزة، يرى أنه نعمة من الله على الناس وهو سوأة الدهر، ونراه يقرّب من يلوذ بجنابه ويتمسح بجلبابه من المتملقين، ويرفع الأغبياء ويصنع منهم حاشية، وكل من اشتم منه رائحة النقد مهما كان بنّاءً عاداه، فهو حريص على الدفاع عن نفسه، مغلّفا ذلك بالذود عن حياض الدين، فإذا أخطأ يوما انهدم البنيان، إذ يكبر عليه التراجع، فيتبعه أتباعه في خطئه، ويزداد الخرق اتساعا.

وقد ألهاه التكاثر في الأتباع والتنافس لكسب القلوب، ليثبت أن الله كتب له القبول بين الناس، ويعجبه إطراؤهم، وربما ردّد أمامهم تصنّعاً قولَ أبي بكر: اللهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ، وَاغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ، وَاجْعَلْنِي خَيْرًا مِمَّا يَظُنُّونَ.

ويجعل الجميع تحت عباءته ليتسلق منارة الشهرة على أكتافهم، ويمشي الركب خلفه، وإن كلفه هذا تحريف الدين، وقد يبرّر ذلك بحمايتهم من الفتنة والشقاق كما تسوّل له نفسه، فيُخرج جيلا لا يصمدون أمام الفتن، ويبقى الشيخ وأتباعه يحاولون إقناع بعضهم البعض بأنهم في الطريق الصحيح.

والشيطان يستغل نقطة الضعف في كل إنسان، فيركبه من جهة الشهرة إن رأى منه ميلا نفسيا إلى شهوة الشهرة، وإن زهد في الشهرة ومال إلى المال ركبه من تلك الناحية، فلا بد أن نجاهد أنفسنا على الإخلاص لله ومغالبة الشهوات الخفية كحب الثناء والإطراء، ومن يريد الشهرة وإسقاط غيره يعاقبه الله بعكس ما يريد، ومن تواضع لله رفعه، وهذه الدنيا فانية، ويوشك أن نندم على كل عمل لم يكن لله.

وفي هذه البيئة الموبوءة نجد الكثير من الناس يملكون قابلية للاستعباد والدخول تحت الجلابيب، لأنهم متعلقون بالأشخاص والرموز، فهناك من يتراجع عن الحق إذا خاطبته بالدليل بصفته بشرا عاقلا حرا، ويثبت على المبدأ في جو الاستبداد والتقليد، لكن هذا ليس مبرّرا للاستبداد، فوجود العبيد ليس مبررا لتعبيدهم، بل يفرض علينا مسؤولية تحريرهم، ووجود الجهّال ليس مبررا لتجهيلهم، بل يفرض علينا مسؤولية تعليمهم، فلا تربطهم بشخصك واسمك، بل علّمهم أن يناقشوك الدليل بحثا عن الحق، وإن كان هذا يضايقك، فقد قيل أن من العظماء من يشعر المرء فى حضرته أنه صغير، ولكن العظيم بحق هو من يشعر الجميع في حضرته بأنهم عظماء.

ولا نستطيع في الواقع تحويل الناس جميعا إلى الدليل دون تقليد، لكن المقلدين يبقون رهينة عند متبوعهم في وقت كثرت فيه الشبهات، ولا يستطيع حمايتهم في كل وقت، ولا نخالف في أن التقليد واتباع الزعيم قد يكون داعيا للثبات على الإسلام في بعض البيئات والظروف، لكن لا نعوّل على هذا الشكل من الناس على المدى الطويل، مع هذه الشبهات والضلالات المنتشرة في حياتنا المعاصرة.

إن ممن يتبعون الدجّال قوم آمنوا لما آمن الناس، فعن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عنه: (وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَقُولَ لِلأَعْرَابِيِّ: أَرَأَيْتَ إنْ بَعَثْتُ لَكَ أَبَاكَ وَأُمَّكَ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ فَيَتَمَثَّلُ لَهُ شَيْطَانَانِ فِي صُورَةِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَقُولاَنِ: يا بني اتَّبِعْهُ فَإِنَّهُ رَبُّكَ) (رواه ابن ماجة وفي سنده إسماعيل بن رافع ضعيف الحفظ).

وينجو من تربّى على الدليل وعرف قدره وآمن بالحق لأنه حق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فَيَتَوَجَّهُ قِبَلَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَتَلْقَاهُ الْمَسَالِحُ - مَسَالِحُ الدَّجَّالِ - فَيَقُولُونَ لَهُ: أَيْنَ تَعْمِدُ؟ فَيَقُولُ: أَعْمِدُ إِلَى هَذَا الَّذِي خَرَجَ، قَالَ: فَيَقُولُونَ لَهُ: أَوَ مَا تُؤْمِنُ بِرَبِّنَا؟ فَيَقُولُ: مَا بِرَبِّنَا خَفَاءٌ، فَيَقُولُونَ: اقْتُلُوهُ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَلَيْسَ قَدْ نَهَاكُمْ رَبُّكُمْ أَنْ تَقْتُلُوا أَحَدًا دُونَهُ، قَالَ: فَيَنْطَلِقُونَ بِهِ إِلَى الدَّجَّالِ، فَإِذَا رَآهُ الْمُؤْمِنُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَذَا الدَّجَّالُ الَّذِي ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَيَأْمُرُ الدَّجَّالُ بِهِ فَيُشَبَّحُ، فَيَقُولُ: خُذُوهُ وَشُجُّوهُ، فَيُوسَعُ ظَهْرُهُ وَبَطْنُهُ ضَرْبًا، قَالَ: فَيَقُولُ: أَوَ مَا تُؤْمِنُ بِي؟ قَالَ: فَيَقُولُ: أَنْتَ الْمَسِيحُ الْكَذَّابُ، قَالَ: فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُؤْشَرُ بالْمِئْشَارِ مِنْ مَفْرِقِهِ حَتَّى يُفَرَّقَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ، قَالَ: ثُمَّ يَمْشِي الدَّجَّالُ بَيْنَ الْقِطْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: قمْ، فَيَسْتَوِي قَائِمًا، قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: أَتُؤْمِنُ بِي؟ فَيَقُولُ: مَا ازْدَدْتُ فِيكَ إِلَّا بَصِيرَةً، قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا يَفْعَلُ بَعْدِي بِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، قَالَ: فَيَأْخُذُهُ الدَّجَّالُ لِيَذْبَحَهُ، فَيُجْعَلَ مَا بَيْنَ رَقَبَتِهِ إِلَى تَرْقُوَتِهِ نُحَاسًا، فَلَا يَسْتَطِيعُ إِلَيْهِ سَبِيلًا، قَالَ: فَيَأْخُذُ بِيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَيَقْذِفُ بِهِ، فَيَحْسِبُ النَّاسُ أَنَّمَا قَذَفَهُ إِلَى النَّارِ، وَإِنَّمَا أُلْقِيَ فِي الْجَنَّةِ)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (هَذَا أَعْظَمُ النَّاسِ شَهَادَةً عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (رواه مسلم).

فهل نحن نعمل على إيجاد الجوّ الذي يربي مثل هذا الرجل الذي نال هذا الشرف العظيم وارتقى جبل الإيمان وبلغ ذروته؟ وما ضرّه أن يكون الأخيرَ زمانُه، وهل نجحنا لحد الآن في تربية المسلم الثابت على عقيدة واضحة لا تتخطّفه الشبهات؟ أم نحن نعمل على تفريخ جموع من المريدين يوشك أن تلحق بالدجال والدجالين عند أول شبهة، وتفتتن عند أول فتنة يوم تحس باليُتم والوحشة؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدجّال: (إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) (رواه مسلم)، والحجيج هو المُغالب لخصمه بالحجة والبرهان.

قال عبد الله بن مسعود: لَيُوَطّنَنَّ الْمَرْءُ نَفْسَهُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَفَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا لَمْ يَكْفُرْ. (الإبانة لابن بطة).

وقال: لَا يُقَلّدَنَّ أَحَدُكُمْ دِينَهُ رَجُلًا، فَإِنْ آمَنَ آمَنَ وَإِنْ كَفَرَ كَفَرَ، وَإِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ مُقْتَدِينَ فَاقْتَدُوا بِالْمَيِّتِ، فَإِنَّ الْحَيَّ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ. (المعجم الكبير للطبراني).

وقال أبو سليمان الداراني: لَوْ شَكَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ فِي الْحَقِّ مَا شَكَكْتُ فِيهِ وَحْدِي. قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ قَلْبُهُ فِي هَذَا مِثْلَ قَلْبِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ يَوْمَ الرِّدَّةِ. (حلية الأولياء للأصبهاني).

ومنا من يجمع الناس حوله، ويحارب كل اجتماع للحوار، ويبتغي انفضاض مجلسه، ويترفّع عن محاورة المشركين أو يردّهم إلى تلاميذه حتى لا تنتقص هيبته ومكانته، رغم أن أنبياء الله لم يأنفوا من ذلك، وكانوا يحاجّون العالم والجاهل وفق مستواه العقلي، فدعوة الإسلام ليست دعوة نخبوية.

ثم من يضمن لنا أنه لا يعلّم الناس إلا الحق وقد جمعهم حيث لا يسمعون غيره؟ فإذا كان كل متبوع يقول لأتباعه: اعتزلوا الآخرين فهم ضُلّال، وكل طرف يقول: ليس الآخر على شيء، ولا ينظر في المرآة، وإذا كانت كل الفرق والاتجاهات تغلق على نفسها لتتبع ما وصلت إليه دون أن تسمع قول غيرها فيها تحت ستار اعتزال أهل الأهواء، فهذه بالذات هي الفتنة.

ولو راح كل ذي دين يتكلم ويخطب ويكتب في راحة دون أن يحاججه أحد لقال ما شاء وسكت عما شاء وأخفى ما شاء وقدّم دعاويه كأدلة بحد ذاتها وخدع الناس، ولكن حضور الخصم كفيل بأن يجعله يراجع حساباته، ويحاسب نفسه على كل كلمة قبل أن يحاسَب ويفتضح أمره، فلا يكفيه عرض أدلته التي يهوى، بل يتحتم عليه الرد على أدلة الخصم واعتراضاته دون انتقاء، وهذا يفرض عليه أن يبحث ويبحث عن دليل كل مسألة، ولا يلقيها كمسلّمة يمرّ عليها بكلام إنشائي جميل.

وكم رأينا من أناس ينتفخون إلى أن يبلغوا عنان السماء ظنا أن معتقدهم هو الحق لا ريب ولا يمكن إبطاله، ولو نظروا في مرآة الخصم لأبصروا ما يتخبطون فيه من جهالات، ولكن مشايخهم يمنعونهم من الاطلاع على حجج المخالف خوفا عليهم وخوفا منهم، وهذا الذي يمدّ في عمر الضلال.

ومنا من ينشر الشبهات متأولا مثل غيره، ثم ينكر الحوار بدعوى أنه نشر للشبهات وموطن فتنة، وكأننا نعيش في موطن إسلام وسنة وجماعة، يقول: نميت الشبهات بالسكوت ويكفي الله المؤمنين القتال، والواقع أن السكوت هنا سكوت عن الكفر وتأخير للبيان وتخلّف عن الدعوة إلى الله، وهو يخشى الشقاق والخلاف، كأننا إذا سكتنا سنكون مسلمين على كلمة سواء.

ويتصوّر أنه يعيش بين السلف الصالح، يوم كانت هناك أمة طاهرة ورثت عقيدة صافية، وكان المسلمون يهجرون أهل الأهواء المحدَثة، ولا يناظرونهم إلا بالقدر الكافي لقمع ضلالهم المبتدع، وينسى أننا اليوم نعيش وسط الضلال كما كان حال المسلمين في مكة، فكيف يريد منع المناظرة والحوار لكشف الباطل وهو الأصل في الناس؟ وهل سنساهم في نشره وهو القاعدة؟

ومع كل الوسائل التكنولوجية المعاصرة يتصور أن المسلم بمعزل عن الشبهات، وأننا إذا ناظرناهم سمع بها أول مرة وتحمّلنا وزر ضلاله أو شكه، وهذا وهمٌ بعيد عن الواقع.

لا شك أننا اليوم نُظهر الحق وسط أمواج الباطل، ونضيف صوتا جديدا إلى الساحة على الأقل، قبل أن يصبح بديلا منافسا لغيره ويتبوّأ مكانا تحت الشمس، فإذا لم نستطع إعلاء كلمة الله فلنُسمِع العالم حقيقة الإسلام، ولنعمل على أن يكون هناك صوت مسموع على الأقل يطرح عقيدة التوحيد ويبرز للناس الكفر ويحذرهم منه، أما الآن فهناك صوت مخنوق وليس مقموعا فقط، بل همّة أهله أضعف من أن تحركهم ولو في السراء والدعة، فنحن إما ساكتون طالبون السلامة، أو متهوّرون منفّرون.

إن الحوار مع أهل الأهواء يختلف عن مجالستهم للأخذ عنهم، كما أن إتيان السلاطين لدعوتهم ونصحهم وقول كلمة الحق، يختلف عن إتيانهم لطلب الدنيا، فهذا الأخير هو الذي ورد فيه النهي عن إتيان أبواب السلاطين.

فالحوار هو الذي يجعل الباحثين عن الدين الحق يراجعون ما كانوا عليه من مسلّمات خاطئة، فالجميع صحّح ويصحح عقيدته، ولو أن كل طرف اليوم هجر أهل الأهواء ـ والهوى عنده ما خالف ما عليه هو ـ لبقي الجميع على أهوائهم بما فيها من كُفر وغيره، وبمن فيهم من يتشبه بالسلف في هجرهم للمبتدعة وهو مشرك بالله.

إن المسلمين في القرون الأولى كانوا أمة واحدة على هدي نبيها ثم أخذ الخلاف يتطرق إليهم، فضُلاّل الأمس قد عاشوا حياة إسلامية صافية فتركوها وراحوا ينقّبون عما يضرّ ولا ينفع تنطّعا فضلّوا.

أما اليوم فلا معنى للتحذير من إحياء الفتنة وإثارة الشبهات في زمن تحيط فيه الضلالات بالناس من كل جانب، بل هي الأصل الذي تربّوا عليه، فالكفر كان فاشيا قبل ظهور هذه الخلافات العقدية، ولكن كان مسكوتا عنه فقط لأنه عادة مألوفة، وظهور الخلاف يُعدّ تطورا إيجابيا وخطوة إلى الأمام، فهناك من يبحث عن الفهم الأصح والتطبيق الأمثل للإسلام، بعد أن كان عامة الناس متفقين على الضلال، أليس عامة الناس الذين لم يصلهم هذا الخلاف هم أبعد الناس عن التوحيد؟

وليس حالنا كحال من قال الله عز وجل فيهم: (وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (الجاثية: 17)، لأن هؤلاء كانوا على دين الحق ثم انحرفوا عنه على علم، واستعملوا علمهم بالدين للبغي والتعالي على بعضهم البعض وطلب الدنيا، ولم يكن ضلالهم عن جهل.

وعن هشام بن حسّان قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْحَسَنِ فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ تَعَالَ حَتَّى أُخَاصِمَكَ فِي الدِّينِ، فَقَالَ الْحَسَنُ: أَمَّا أَنَا فَقَدْ أَبْصَرْتُ دِينِي، فَإِنْ كُنْتَ أَضْلَلْتَ دِينَكَ فَالْتَمِسْهُ. (الإبانة لابن بطة)، أما نحن اليوم فلم نكن على دين الحق ثم أضللناه بجدالنا، بل نحن نلتمس الدين الذي لم نعرفه من قبل.

أو كما قال حذيفة: إِنَّ الضَّلَالَةَ حَقُّ الضَّلَالَةِ أَنْ تَعْرِفَ مَا كُنْتَ تُنْكِرُ وَتُنْكِرَ مَا كُنْتَ تَعْرِفُ، وَإِيَّاكَ وَالتَّلَوُّنَ فِي الدِّينِ فَإِنَّ دِينَ اللَّهِ وَاحِدٌ. (الإبانة لابن بطة).

ولو أنزلنا هذا المعنى الذي قيل في تحذير المسلمين من الابتداع في الدين على حالنا لوجب علينا البقاء على ما كنا عليه من كفر ورثناه ورُبّينا عليه، فحالنا ليس كحال التابعين الذين ورثوا الإسلام الحق ونشأوا عليه، بل علينا أن نسعى إلى الانتقال من الجاهلية إلى الإسلام وتغيير دين الآباء كما فعل الصحابة رضي الله عنهم، فنعرف ما كنا ننكر وننكر ما كنا نعرف.

كما لا نجعل خلافاتنا كخلافات المسلمين التي يحرم معها التفرق أحزابا وشيعا، ولا نستشهد بخلافات العلماء المسلمين وأخلاقهم، كما قال يحيى بن سعيد: مَا بَرِحَ الْمُستفْتَوْنَ يُسْتَفْتَوْنَ فَيُحِلُّ هَذَا وَيُحَرِّمُ هَذَا فَلَا يَرَى الْمُحَرِّمُ أَنَّ الْمُحَلّلَ هَلَكَ لِتَحْلِيلِهِ وَلَا يَرَى الْمُحَلّلُ أَنَّ الْمُحَرِّمَ هَلَكَ لِتَحْرِيمِهِ. (جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر).

بل نحن نختلف في التوحيد خلاف المسلم والمشرك، والافتراق عادي ومنطقي، فلسنا بصدد طلب العلم الذي يطلبه المسلمون، ولكننا نبحث عن أصل الدين، والخلاف في أصل الدين لا يبقي أخوة في الإسلام، فليس خلافا بين المسلمين.

لكن يجب أخذ مسألة التأويل والجهل وحسن النية بعين الاعتبار، فهناك فرق بين الشبهات التي تُضل طلّاب الحق وشبهات المتلاعبين، فليس كل مشرك سيّء النية وخبيث الطوِية.

إن الحوار لن يؤدي إلى الفتنة، لأننا نسبح وسط الفتنة، ولكن بمجرد ظهور الخلاف ينفر البعض من البعض الآخر، رغم أن الاختلاف موجود أصلا وهو مستور فقط، أو يراد له أن يكون مستورا ونتجاوز عنه.

فنحن لم نكن على هدى حتى نضلّ إذا تجادلنا، ويصح فينا ما رواه أبو أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ)، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) (الزخرف: 58) (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وفي سنده الحجاج بن دينار وأبو غالب ضعّفوهما)، فهذا يصحّ لو كنا مجتمعين على دين الحق، أما إذا كنا في ضلال وشقاق أصلا فلا يجمعنا إلا الحوار والنقاش.

أما هجر أهل الضلال فهو مرتبط بتقدير المصلحة المرجوة، مثل الجهاد وتغيير المنكر، فالهدف هو شعور المهجور بالعزلة وزجره ليرتدع، لا ليطغى أكثر في ظل مجتمع جاهلي يحتضنه، فالواجب حينها تأليفه لا تنفيره.

إنه لا أسهل من الكفر اليوم، فالأبواب مشرّعة للكفر على مصراعيها بفعل المجتمع الجاهلي الواسع والشيطان والنفس الأمّارة بالسوء، فلا ينفعنا إلا التواصي بالحق والتواصي بالصبر، ولا يجدي الهجر ولا الزجر، فمتى يرعوي قوم يتوهّمون أنهم يحملون سيف خالد أو دِرّة عمر وهم في مقام ياسر وسمية وعمار رضي الله عنهم أجمعين؟

لقد كان أهل السنة في القرون الأولى هم عامة الأمة، ولذلك كانوا يحاصرون المبتدعة، فعن سلّام بن أبي مطيع أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ قَالَ لِأَيُّوبَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَسْأَلُكَ عَنْ كَلِمَةٍ؟ قَالَ: فَوَلَّى، وَهُوَ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ: وَلَا نِصْفَ كَلِمَةٍ. (سنن الدارمي).

وعن أسماء بن عُبيد قال: دَخَلَ رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ عَلَى ابْنِ سِيرِينَ فَقَالَا: يَا أَبَا بَكْرٍ نُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَا: فَنَقْرَأُ عَلَيْكَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا، لَتَقُومَانِ عَنِّي أَوْ لَأَقُومَنَّ، قَالَ: فَخَرَجَا، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: يَا أَبَا بَكْرٍ، وَمَا كَانَ عَلَيْكَ أَنْ يَقْرَآ عَلَيْكَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَ: إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْرَآ عَلَيَّ آيَةً فَيُحَرِّفَانِهَا فَيَقِرُّ ذَلِكَ فِي قَلْبِي. (سنن الدارمي).

أما نحن فلا نملك القدرة على محاصرة المخالفين في الدين، لأنهم هم السواد الأعظم، فإذا وضعنا أصابعنا في آذاننا مثل الحسن البصري وأيوب السختياني نجد أننا في الواقع نحاصر أنفسنا ولا يسمع الناس حجتنا، وإذا أغلقنا أبوابنا وامتنعنا عن مجالستهم اقتداء بطاوس وابن سيرين نجد أننا نغلق الأبواب على أنفسنا لا عليهم، إذ لا يمكننا تحجيمهم وعزلهم، وحينها لا تقام حجة ولا تُزال شبهة.

وهذا كمن يقول للصحابة في مكة: اهجروا المشركين لا تحاوروهم، يوم كانت قريش تهجرهم وهم يجرون خلفها ليبلّغوا رسالتهم، فلماذا لم يقتدِ التابعون بالصحابة في هذا؟ الجواب هو ما سبق لمن يفقه الواقع، لذلك علينا أن نعلم أن التاريخ لم يتوقف في زمن أحمد بن حنبل كما لم يبدأ به.

يجب أن ندرك أن مسيرتنا ليست امتدادا لمسيرة السلف الصالح، وإنما حدث تراجع في خط انحدار طويل وصل بنا إلى جاهلية لا تختلف في كفرها عن الجاهلية الأولى، وما يجري الآن ومنذ حوالي قرن هو تجارب ومحاولات للبحث عن الإسلام الحق.

وهناك اليوم صحوة متقدمة من حيث الاهتمام بالبحث عن أصل الدين وتحقيق الدخول في الإسلام، بدلا من الاكتفاء بالتبحر في علوم الشريعة وتزكية النفس والغفلة عن الإشراك بالله. فاختلافنا ليس انشقاقا داخليا كما يتصور الناس من كلامنا عن التوحيد جميعا واختلافنا فيه، فلسنا على دين واحد، وإنما هناك تيار باحث عن التوحيد يقترب من التوحيد، وإن كان كل طرف فيه وفي سائر الناس يظن أنه موحد ويدعو إلى التوحيد.

يقولون: اتركوا الردود، كأن المردود عليه جديد مبتدع اليوم يفرّق المسلمين، وهو معتقد عامة الناس منذ زمان طويل، وهذا كمن يقول للمشركين: اتركوا دينكم واتبعوا الإسلام، دون رد على الشبهات التي أضلتهم، وينسى أن القرآن كتاب حوار، وأن من واجبنا البحث عن الحوار وإن هربوا منه، لا أن نهرب نحن ليبقى الحال على ما هو عليه.

والحوار الواجب اليوم لا علاقة له بمن ينبش في التاريخ فيستخرج ضلالات قوم ليردّ عليها، ويشغل الناس بمعارك وهمية عما ينفعهم من طاعة الله وأوّلها التطهر مما هم فيه من كفر، أو يتسبب في الترويج لضلالات مستحدثة لم يتبعها أحد، كما جاء عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال: أَنَّ نَفَرًا كَانُوا جُلُوسًا بِبَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ كَذَا وَكَذَا؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ كَذَا وَكَذَا؟ ـ وفي رواية: وَهُمْ يَخْتَصِمُونَ فِي الْقَدَرِ ـ فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَخَرَجَ كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ، فَقَالَ: (بِهَذَا أُمِرْتُمْ؟ أَوْ بِهَذَا بُعِثْتُمْ؟ أَنْ تَضْرِبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ؟ إِنَّمَا ضَلَّتِ الْأُمَمُ قَبْلكُمْ فِي مِثْلِ هَذَا، إِنَّكُمْ لَسْتُمْ مِمَّا هَاهُنَا فِي شَيْءٍ، انْظُرُوا الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ فَاعْمَلُوا بِهِ، وَالَّذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (رواه أحمد وابن ماجه وفي سنده عمرو بن شعيب مختلف فيه، قال الألباني: صحيح لغيره).

والحوار المقصود لا علاقة له بمن يعرّض نفسه للشبهات البعيدة عنه والبلاء الذي عافاه الله منه، كما قال أبو قلابة: لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْأَهْوَاءِ وَلَا تُجَادِلُوهُمْ، فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَغْمِسُوكُمْ فِي ضَلَالَتِهِمْ، أَوْ يَلْبِسُوا عَلَيْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ. (الإبانة لابن بطة).

فمن يقول اليوم: لا أسمع للمبتدعة كما لم يسمع السلف قد يكون هو المبتدع، فعلماء السلف كانوا يخاطبون المسلم الذي نشأ على التوحيد والسنة، خشية أن تستهويه البدع المستجدة التي اتفق عامة المسلمين على أنها بدع، عكس ما نحن عليه الآن من اختلاف في (لا إله إلا الله) وما دونها.

ومن الخطأ عدم الاستماع مطلقا إلى من نعتقد بكفره إذا جاء بالحق في مسألة معينة، فهذا يخالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم، عن قتَيلة امرأة من جُهينة أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّكُمْ تُنَدِّدُونَ، وَإِنَّكُمْ تُشْرِكُونَ، تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ، وَتَقُولُونَ: وَالْكَعْبَةِ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا أَنْ يَقُولُوا: وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، وَيَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ شِئْتَ. (رواه النسائي وأحمد وفي سنده عبد الله بن يسار مختلف فيه).

وفي قصة أبي هريرة رضي الله عنه مع الشيطان قال: قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ: (اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ)، وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلاَ يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ - وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الخَيْرِ - فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلاَثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ)، قَالَ: لاَ، قَالَ: (ذَاكَ شَيْطَانٌ) (رواه البخاري).

وعن يزيد بن عميرة أن معاذ بن جبل قال: وَأُحَذّرُكُمْ زَيْغَةَ الْحَكِيمِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الضَّلَالَةِ عَلَى لِسَانِ الْحَكِيمِ، وَقَدْ يَقُولُ الْمُنَافِقُ كَلِمَةَ الْحَقِّ، قَالَ: قُلْتُ لِمُعَاذٍ: مَا يُدْرِينِي رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّ الْحَكِيمَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الضَّلَالَةِ وَأَنَّ الْمُنَافِقَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الْحَقِّ؟ قَالَ: بَلَى، اجْتَنِبْ مِنْ كَلَامِ الْحَكِيمِ الْمُشْتَهِرَاتِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا: مَا هَذِهِ، وَلَا يُثْنِيَنَّكَ ذَلِكَ عَنْهُ، فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ أَنْ يُرَاجِعَ، وَتَلَقَّ الْحَقَّ إِذَا سَمِعْتَهُ فَإِنَّ عَلَى الْحَقِّ نُورًا. (سنن أبي داود).

فإذا رأينا اليوم كل تيار يأخذ بشيء من الدين ويوليه كل اهتمامه، فينبغي أن نأخذ من الجميع ما عندهم من حق، وما برزوا فيه لنجمع الخير كله.

إن واقع الصراع يوجب علينا الاجتهاد والإعداد أكثر لنقض بنيان الجاهلية لا القعود أو الفرار من الزحف، فما كان من ضعف هو بسبب التفريط في طلب العلم بمختلف فنونه، فعلينا أن نفقه ديننا ونفقه جوانب الانحراف في هذه الجاهلية.

والمسلم اليوم لا يملك القوة لتحبيب الناس في الدين كالحاكم، ولذلك فالإقناع بالحوار هو السلسلة التي تربط الناس بالدين من عقولهم وقلوبهم، فنحن لا نملك القوة المادية، ولكن سلاحنا هو الحجة، وهي أقوى وأبلغ، فالحوار هو ميدان معركتنا الوحيد، وإلا بماذا وقف موسى عليه الصلاة والسلام في وجه فرعون؟

فعلى مر الزمان كان ضعف المسلمين ماديا وعدديا يعوَّض بقوة الحق الذي يملكونه، فتفوّقوا بالحجة على القوة المادية للمشركين، لأن السلاح في هذه المعركة هو البرهان، (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) (الأنعام: 83)، فلا بد من الوقوف في وجه دعاة جهنم الطاعنين في دين الله، وأي تخلّف عن هذه المعركة هو في صالح الجاهلية.

والردة تمنع بعض الشرائع الخاصة بالمسلمين، ولا تَحول دون الحوار والتعاون على دحض الشبهات، لا سيما إن كان الخلاف بسبب التأويل، والمرتد متأولا ليس كالمرتد لشهوة الدنيا حتى يُزجر، والمرتد بين المشركين ليس كالمرتد بين المسلمين حتى يُهجر، ما بالك بمن يخالف في مسألة فقهية؟ وقد حدث مثلها زمن الصحابة والتابعين ولم تفرق بينهم، لكن لما تكرر مثلها الآن وصل بنا الحال إلى الهجر، بل التكفير.

فهناك من يظن أن الدين هو كل تشدد، وأن التشدد هو الأقرب إلى الحق دوما، وبدلا من الاقتداء بالصحابة في دعوتهم للمشركين بالتي هي أحسن نجده يتشدّد معهم مقتديا بشدة التابعين على المبتدعة في أمة مسلمة.

إن أفضل ما نملك الآن هو الحوار، وإن كان يصحبه الكثير من التشنج والتعصب فكذلك كان الأمر على الدوام، والفاجر يظهر فجوره، والمتعصب يظهر تعصبه بالحوار والمناظرة، ولذلك يهرب من الحوار الذي يُخرج دخائل النفوس للعلن، ويعود إلى أوراقه يسطر ما يشاء في راحة، أو منبره حيث لا يقاطعه أحد.

وهناك من يتبع ألحن المختلفين حجة وأكثرهم زخرفة، لكن هذا ليس مبررا لترك المناظرة، وأهل الأهواء لا يردهم البرهان، ولكننا نستهدف من يكون جاهلا حسَن النية صادقا في ابتغاء الحق، وقبل ذلك لماذا لا نكون نحن ألحن حجة؟

فهناك أعراض جانبية طبعا، وأن يبحث الناس في أصل الدين ويخطئ هذا ويصيب الآخر أفضل من أن يسكتوا جميعا وهم غارقون في الكفر.

يجب أن ننكر ما يشاب به الحوار من انحرافات لا كل حوار، وننكر الرد في أمور تضرّ ولا تنفع، كالذي أنكره النبي صلى الله عليه وسلم على بعض الصحابة، لا ننكر كل رد، فبين بيانِ الكفر الواقع ودفاعهم عن أنفسهم بحثٌ عن الدين، وطرحٌ للقضية الأهم، وإذا لم نقدر على محو الكفر فأقل ما يجب علينا القيام به هو إسماع الناس أن الإسلام يخالف ما هم فيه، فالكثير من الحق مخزون في بطون الكتب والناس غافلة عنه.

كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ وَذَهَابَ العُلَمَاءِ، وَلاَ تَقْبَلْ إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلم، وَلْتُفْشُوا العِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لاَ يَعْلَمُ، فَإِنَّ العِلْمَ لاَ يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا. (صحيح البخاري).

والبعض يريد أن يغلق باب الحوار لينكفىء الجميع على أنفسهم، فالذين يكرهون إثارة النقاش سينتهون بنا إلى الإبقاء على الأمر الواقع على ما هو عليه، يتصورون أن السكوت المميت سلامة وعافية وهو الفتنة بعينها، لأن المستفيد الوحيد من السكوت هو الكفر، ونحن لا نريد أمة شعارها التوحيد وتحمل في طيّاتها كل كفر اخترعه البشر، ثم ننتظر من هذا الشيء أن يحمل رسالة الإسلام!

ومَن هذا النبي الذي دُعي إلى المناظرة فتردّد أو أبى؟ لقد ناظر موسى عليه الصلاة والسلام فرعون وسحرته واشترط أن يحضر الناس ولم يخشَ عليهم الفتنة بسبب حبال السحرة، لأنهم غارقون فيها أصلا، قال الله عز وجل: (قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى) (طه: 60).

فلا بد أن ندرّب أنفسنا على الاستماع إلى المخالف، وقد استمع الرسول صلى الله عليه وسلم في مسجده إلى نصارى نجران، واستمع إلى اليهود في بيت مدراسهم، واستمع في المسجد الحرام إلى عتبة بن ربيعة وهو يدعوه إلى ترك دينه ودعوته، وأذِن له في الكلام ولم يقاطعه حتى فرغ، قال: يَا ابْنَ أَخِي، إنّك مِنّا حَيْث قَدْ عَلِمْتَ مِنْ السّطَةِ فِي الْعَشِيرَةِ وَالْمَكَانِ فِي النّسَبِ، وَإِنّك قَدْ أَتَيْتَ قَوْمَك بِأَمْرِ عَظِيمٍ فَرّقْت بِهِ جَمَاعَتَهُمْ وَسَفّهْت بِهِ أَحْلَامَهُمْ وَعِبْت بِهِ آلِهَتَهُمْ وَدِينَهُمْ وَكَفّرْت بِهِ مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِهِمْ، فَاسْمَعْ مِنّي أَعْرِضْ عَلَيْك أُمُورًا تَنْظرُ فِيهَا لَعَلّك تَقْبَلُ مِنْهَا بَعْضَهَا، قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ: قُلْ يَا أَبَا الْوَلِيدِ أَسْمَعْ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، إنْ كُنْت إنّمَا تُرِيدُ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ مَالًا جَمَعْنَا لَك مِنْ أَمْوَالِنَا حَتّى تَكُونَ أَكْثَرَنَا مَالًا، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ شَرَفًا سَوّدْنَاك عَلَيْنَا حَتّى لَا نَقْطَعَ أَمْرًا دُونَك، وَإِنْ كُنْت تُرِيدُ بِهِ مُلْكًا مَلّكْنَاك عَلَيْنَا، وَإِنْ كَانَ هَذَا الّذِي يَأْتِيك رِئْيًا تَرَاهُ لَا تَسْتَطِيعُ رَدّهُ عَنْ نَفْسِك طَلَبْنَا لَك الطّبّ، وَبَذَلْنَا فِيهِ أموَالَنا حتَّى نُبرئَك مِنه، فإنه رُبّما غَلَبَ التّابِعُ عَلَى الرّجُلِ حَتّى يُدَاوَى مِنْهُ ـ أَوْ كَمَا قَالَ لَهُ، حَتّى إذَا فَرَغَ عُتْبَةُ وَرَسُولُ اللّه صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَسْتَمِعُ مِنْهُ قَالَ: أَقَدْ فَرَغْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاسْمَعْ مِنّي، قَالَ: أَفْعَلُ، فَقَالَ: (بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ كِتَابٌ فُصّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنّةٍ مِمّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ)، ثُمّ مَضَى رَسُولُ اللّه صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِيهَا يَقْرَؤُهَا عَلَيْهِ، فَلَمّا سَمِعَهَا مِنْهُ عُتْبَةُ أَنْصَتَ لَهَا، وَأَلْقَى يَدَيْهِ خَلْفَ ظَهْرِهِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِمَا يَسْمَعُ مِنْهُ، ثُمّ انْتَهَى رَسُولُ اللّه صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى السّجْدَةِ مِنْهَا فَسَجَدَ، ثُمّ قَالَ: (قَدْ سَمِعْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ مَا سَمِعْتَ فَأَنْت وَذَاك) (سيرة ابن هشام).

فهذه سيرة الأنبياء عليهم السلام في دعوتهم واستماعهم للمخالف، ولم نتعلّم هذا من الديمقراطيين كما يتوهم البعض، ولكن ديننا علّمنا آداب الحوار قبل أن يسمع به هؤلاء.

إن تحطيم هذه الضلالات والشبهات التي تعرقل فهم الناس للتوحيد واتباعه لا يتحقق إلا بالمواجهة وخوض غمار المناظرة وكشف الشبهات وإخراج المختلف فيه من مسائل أصل الدين إلى السطح، والاختلاف أدعى للاجتماع والحوار، ونبذ الخلاف يكون بالحوار لا بإغماض العينين عن الخلافات والسكوت عن الكفر وشطب المخالف ومقاطعته.

فالحل هو الحوار والتعاون على حل المسائل العالقة التي تحولت إلى معضلات ودحض الشبهات، لا التنافر والتهاجر، فالحوار قد ينتج عنه الاقتناع وتحقيق الإسلام، أو إسكات المبطلين عن التعالي بباطلهم والتكبر على الحق بعلومهم، أو دفعهم إلى مراجعة النفس والتفكير والبحث وإعادة النظر في ما يرونها مسلّمات.

تبقى مسألة وهي أن الداعية لا بد أن يكون صحيح العقيدة حتى تصحّ دعوته، لكن كيف وهو في كل مراحل حياته يؤمن أنه على دين الله أيا كان معتقده؟ فالتصحيح لا يسعى إليه قصدا إلا من عرف خطأه وأقرّ به.

والفكرة القائلة بوجوب حل المسائل العالقة بين طلائع الباحثين عن التوحيد ثم تتوجه الدعوة إلى عامة الناس هي فكرة نظرية بعيدة عن الواقع اليوم، بل ستسير الأمور على ما هي عليه من فوضى وتتحسن أحوال أفراد وشرائح من الناس يوما بعد يوم، والداعية هو نفسه ذلك الضال الذي يبحث عن الهداية لنفسه وللناس، وخلال هذه المسيرة تصفو عقيدته وينمحي ضلاله شيئا فشيئا، ولكلٍّ حظّه من ذلك.

فالجميع يرى أن ما هو عليه هو الحق الذي لا ريب فيه، ونحن نرى من يضلّ في هذه المسألة يهتدي في باقي المسائل التي ضل فيها غيره، وهذا يستدعي أن يتعاون الجميع وأن يتناصحوا، لأنه لا أحد منا نجا من الكفر والضلال والخطأ.

ونحن إذ نجتهد لرفع التراب ونفض الغبار المتراكم على عقائد الإسلام لا بد أن نأخذ بأيدي بعضنا البعض لبلوغ ذلك، ولا يعمل كل طرف على إسقاط الطرف الآخر، ودون اتهام النيات والاستعلاء بما أوتينا من علم، فأزمتنا علمية من جهة الشبهات ودواؤها التواصي بالحق، كما أنها أزمة قلبية من جهة الشهوات، ودواؤها التواصي بالصبر.

وينبغي أن نفسح المجال للجميع ونشجعهم، وأن يفهم كل منا أنه مجرد لبنة في جدار الدعوة وليس محورها وركنها، وقد مضى زمن العمالقة، فالدعوة لا يقوم بها أفراد معيّنون، ولكنها حملة عامة يشترك فيها الجميع، ومن الطبيعي أن يكون في هذه الحملة انحرافات.

ومنا من يظن أنه مؤهّل للخوض في كل مسائل الشريعة التي تحتاج إلى علم تفصيلي وأن يفتي في دين الله، ما دام باستطاعته استيعاب عقيدة التوحيد أكثر من علماء المشركين، ولو كان الأمر بهذه الصورة الساذجة لكان المسلمون كلهم فقهاء.

لقد كان عامة المسلمين يفرقون بين التوحيد والشرك ببساطة، ونُخبتهم علماء بأحكام الفقه التفصيلية، أما هذه الأمة التي تتسمى بالمسلمة اليوم فنخبتها متبحّرة أيضا في علوم الشريعة، لكنها جاهلة بما كان عوام المسلمين من قبل ملمّين به.

فعلماء المشركين كبار في أحكام الشريعة الفرعية صغار في أصل الدين، وفتاواهم تتحرك خارج دائرة لا إله إلا الله، فلا تراعي كفرا ولا تحتاط منه، بل تجعله من المصالح المرسلة والمباحات وأحيانا من الواجبات، حتى صار التوحيد البسيط علما بعيد المنال.

ولما يدركه بعض الناس البسطاء ويرى العلماء جاهلين به يتصور أنه أعلم منهم بأحكام الشريعة أيضا، فيفسد فيها ولا يصلح، ويضحك من جهله المشركون ويفرحون بعلومهم، ويتخذون جهله بالشريعة حجة لإبطال دين التوحيد، مثل حال من قال الله عنهم: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (غافر: 83).

وبما أننا لم ندرس في مدرسة واحدة، وقد بحث الكثير منا عن الدين بطريقة عصامية، وفي عزلة عن غيره، فإن الواحد منا قد ينفرد به الشيطان فيستنتج ضلالات تتحول بمرور الوقت إلى مسلّمات عنده، ويضخّم مسائل ويستهين بأخرى، ويجعل من الأوهام بديهيات راسخة، ومن اجتهاداته الخاطئة وأذواقه شريعة لا يقبل نقدها، ولا يجد من ينبّهه ويصوّبه فيها، فيُقنع نفسه بأنه على دين الله في كل صغيرة وكبيرة كما أنزله الله كأن وحيا أتاه من السماء.

وسبب هذا الجنوح هو أن عملية التحرر من التقليد والعبودية الكهنوتية تؤدي إلى الفوضى إذا لم تكن منضبطة بأحكام الشرع، حيث يصبح كل فرد كاهناً لنفسه، ولا يتصدر للإفتاء فقط، بل يسعّر نار الحرب دون تحمل المسؤولية، وهذا يجعله لعبة في أيدي العدو.

لذلك على المحيط المسلم أن يتخذ الأسباب التي تجعل مثل هذا الصنف يتراجع إلى الوراء، فالرويبضات كانوا قادة الفتن من زمن عثمان، وما لم يُلجموا كانوا هم قادة المسيرة، كما جاء عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ)، قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: (الرَّجُلُ التَّافِهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ) (رواه أحمد وابن ماجة وفي سنده عبد الملك بن قدامة وسعيد المقبري ضعفوهما، وحسنه الألباني لطريقين أخريين).

وهناك من يتصور أنه يجاهد في سبيل الله ويغير المنكر وما يسعى إلا لتلبية غرائزه، وإن هي إلا تصرفات رعناء تَربّى عليها، ثم قيل له من بعد أنها من الدين، فاتفقت طبائعه مع ما يظنه دينا.

وإذا كان كل من دخل في الإسلام أو يخيّل إليه ذلك يعُدّ نفسه في مقام العلماء فإن هذا يؤدي إلى اعتزال ذوي العلم للميدان، لأن الجاهل يغلب العالم دوما، لذلك يجب ألا نترك هذا الدين للأطفال يُضحكون الناس عليه، وهي ثغرة ينفذ منها العدو أيضا.

والذين ينشغلون بتحطيم بعضهم بعضا وبما لا ينفع من العلم إنما ذلك لأنهم لم يجدوا أين يصرفون طاقاتهم، ويشعرون بأن الحركة بالدين لازمة، لكنهم لا يحسنون توظيفها للتمكين لهذا الدين بالشكل السليم.

لقد أفرز لنا واقعنا المرّ أناسا قاصري الفهم إلى درجة فظيعة، يخيّل إليك أن بإمكانك التفاهم مع ألدّ أعدائك وإيجاد أرضية مشتركة معه دونهم، ويبدو أننا سنرى الكثير من هذه الأمثلة الفاسدة في المستقبل إن لم ننتبه ونأطر أصحابها على الحق أطرا.

يقول الله عز وجل: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة: 11).

وعن أبي مسعود قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ، وَيَقُولُ: (اسْتَوُوا، وَلَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى ثُمَّ الَّذِينَ يَلونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلونَهُمْ) (رواه مسلم).

لذلك يجب أن يلقى كل ذلك ردّ فعل يملأ الفراغ، وإلا فإن الساحة تخلو لذوي الفهم الضحل المنغلق الذي لا يستطيع الغوص في المعاني، وبعدها يرتبط التوحيد بالغلو الناتج عن سفاهة الأحلام، وللعلم فأعداء الدين يربطونه بهذا الغلو ويركزون عليه ويضخمونه، ليجعلوه السِّمة البارزة في دعوة التوحيد، حتى يتم تحييدها وإضفاء طابع الوسطية والاعتدال على كفرهم.

ففي ظل الفراغ والتقاعس والانزواء يتسلم الجهال زمام المبادرة، وإذا لم يجدوا من يأخذ بأيديهم سينزلون بالدين إلى مستواهم العقلي الساذج، ويستولون على المشاريع الكبيرة فيحولونها إلى مسخرة، وإذا سيطر ذوو العقول الصغيرة فلا أحد يفكر في دخول هذا الدين، إلا من يقدر على الفرز والغربلة بين الدين وتصرفات أهله، وهذا الصنف قليل بين الناس.

ومهمة العالم أن يرفع صغار الناس نحو مستواه في الفهم وإن سخطوا عليه، لا أن ينزل إلى مستواهم طالبا رضاهم، فما يلبث هؤلاء أن ينقلبوا عليه لأن طلباتهم لا تنتهي، وعالِم الغوغاء في أغلاطه أسوأ من عالم السلطان في بلاطه، لأن حال هذا الأخير مفضوح أمام الناس، أما الأول فيضلّهم بتلبية رغباتهم.

ومن يفتي بما يوافق هوى العوام خشية الهجر، مثل من يفتي بما يوافق هوى الحكام خشية السجن، وحتى الحكام يمنعهم الأتباع من اتباع الحق كما جرى لهرقل، فالعوام يحبون من يطمئنهم ويغرّهم، يريدون دينا يبرّر ما هم فيه، فإن كان المخاطَب غيرهم كلّفوه بما لا يطاق وتشدّدوا وحرّموا وربما كفّروه بلا مكفّر، وإن كانت المسألة تخصّهم بحثوا عمن يسهّل عليهم ويلتمس لهم المعاذير.

فيستدرجونه إلى موافقتهم، حتى يكون أداة طيّعة في أيديهم للغلو أو التمييع، وتلك فتنة العالم، وفي مثل ذلك يقول الله تعالى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ) (المائدة: 49).

وهناك من يفكر بعقول المراهقين يريد أن يقود دعوة، فإذا عرف مسألة من الدين ضخّمها حتى تخرج عن إطارها، وقد لا تكون من الدين أصلا، فيجمع حوله من يوافقه ويعدّهم مسلمين وسطا، ويصنّف غلاة عن يمينه ومميّعة عن يساره، ويرى وجوب اعتزال الفرَق كلها وهو واحد منها، ويعتزل الفتنة توهّما وهو ساقط فيها، ويهجر أهل الأهواء لا يسمع منهم وهو منهم، وينبذ الخلافات وينسى أنه أحد المختلفين.

الناس يختلفون في الدين، وهو يسُلّ نفسه من الجميع كالشعرة من العجين، وينظر إلى الجميع من أعلى برجه كأنه طاهر مطهّر من مفاسدهم ومساوئهم، ولعله ما زال غارقا في الكفر الذي تخلّص منه غيره.

عن حذيفة بن اليمان قال: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلهُ عَنِ الشَّرِّ، مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: (نَعَمْ)، قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: (نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ)، قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: (قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ)، قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: (نَعَمْ، دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا)، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: (هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا)، قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: (تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ)، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ؟ قَالَ: (فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ، حَتَّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ) (رواه البخاري ومسلم).

فرسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي رجلا مسلما على عقيدة صحيحة، وقد بقي على الحق الذي تركه عليه، لا كحالنا، فنحن نتاج تربية جاهلية وشر، وإذا جاءنا الخير كان فيه دخَن في أحسن الأحوال، بل من المشركين من يعتزلون الفرق كلها من غيرهم ويعتزلون في بيوتهم ويبكون على خطاياهم وهم غافلون عن خطيئتهم الكبرى.

ومنا من لا يزال متّكئا في قاعة انتظار المهدي، ربما أكثر من انتظار الشيعة لمهديّهم، وإن كان أقل كلاما عنه منهم، لكن لسان حاله يبين أنه قد ألقى بيديه غير مقتنع بجدوى العمل للدين، وإذ تعلمون يومها أن هذا المهدي لم يظهر في زماننا فلا تنتظروه أنتم أيضا، لأنكم مكلَّفون مثله.

ومنا من ألِف حياة الدهاليز والانكفاء على الذات والتقوقع على النفس، ويرفض رفضا قاطعا الخروج إلى الدنيا، حيث الفضاء الرحب والحقل الواسع الذي يعيش فيه الدين، ويأبى إخراج الدعوة إلى عامة الناس.

وصارت غربة الدين عنده غاية محمودة يفخر بها، وصارت الحياة السرية الطويلة عقدة نفسية لا يستطيع تغييرها، ويأبى ذلك، غافلا عن أن دين الله وُجد ليظهر على الدين كله، وإن عجزتَ أنت أو قصّرت فلماذا تمنع غيرك؟ فعلينا ألا نركن إلى حال الاستضعاف ونستمرئها، بل نسعى لتَخطّيها، ولكن بعقلانية دون تهوّر.

ومنا من يتخوف من أي خطوة إلى الأمام، ويقف في وجه أي بيان لمسائل العقيدة والشريعة، ويعمل على تحويل دين الله إلى معضلة لا يفهمها عوام الناس، أو متاهة لا يُعرف مدخلها من مخرجها، ولا يتبيّن فيها سبيل الرشد من سبيل الغيّ، أو كهف مظلم مرعب لا يَعرف من دخله ما يواجهه، فيكون ما وراءه أحبَّ إليه مما أمامه، أو حقل ألغام لا يعرف السائر فيه أين يضع قدمه، ولا يتحرك إلا على خوف، ويصير التوقف أحبّ إليه من خطوة قد يكون فيها حتفه.

إن مشروعنا هو الارتقاء بأفهامنا إلى مستوى عقيدة الإسلام حتى تعود كما كانت عليه من قبل، لكننا فشلنا إلى حد الآن في الخروج بهذه الدعوة إلى عامة الناس حيث مكانها الطبيعي، ومن أسباب ذلك تقديم التوحيد في مصطلحات غامضة يجترّها أناس لا يستطيعون تكوين جُملٍ مفيدة بالعربية دون أخطاء، بسبب التركيز على استدلالات الأصوليين وقواعدهم التي لا يفهمها العوام، أو يفهمونها على طريقة الرياضيات، فيستخرجون منها شبهات وانحرافات تزيدهم ضلالا.

فتَعقّد دين التوحيد ونفر منه الناس الذين تُقدَّم لهم العقائد الجاهلية في صورة مبسطة ساذجة وواضحة، وعامة الناس البسطاء يختلفون في قدراتهم عن الرواد الباحثين، لذلك يلزمنا أن نجد طريقة لنفهم الإسلام على بساطته، وإلا فسنهلك مع الهالكين.

وجلبُ الناس يكون بوضوح الدعوة ومخاطبتهم بلغتهم دون غموض، يقول الله عز وجل: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) (إبراهيم: 4)، وبهذا تُقنع العقول وتهفو إليها الأفئدة.

وإن لم يكن من مصلحة الدعوة أن نتكلم بطريقة واحدة، لكن يجب أن ندرك أن لغة الأصوليين لها أهلها مثل لغة الصوفية، وقد كان الصحابة والتابعون فقهاء وزهّادا ولم يتكلموا بلغة الأصوليين والصوفية.

ومن أمثلة البعد عن معالجة الواقع الجاهلي رأينا من أمضى حياته يفسر حديث (إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي)، وكتب الكتب في تأويله، وصار يوالي عليه ويبرأ عليه ويمتحن الناس فيه، وليته كان مصيبا، فما هو إلا عقله الذي لم يستوعب مقاصد مخالفيه في معنى دقيق، والديمقراطية في بيته لا يحسن إبطالها، ولا يحاول إقناع المشركين باجتنابها، ولا يفكر في ذلك.

فلنراجع حساباتنا وإلا سنظل نبكي على دين لم نكن في مستوى حمله، ومن يظنون أن هذا الفهم والسلوك سيحقق شيئا في المستقبل أقول لهم: اسمحوا لي أن أوقظكم من حلمكم اللذيذ، ألم تقرأوا: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: 11)؟

ومنا من يتصور أن المطلوب منه إقامة الدولة، ويظن أن الإسلام يبدأ يوم تبنى الدولة، فإذا فشلت محاولته الأولى أو رأى بأن لا سبيل إلى تحقيق التمكين وأن الطريق مسدود تنازل عن الدين وبحث عن طريق آخر لغاية أخرى، لأنه لا يتحرك إلا ضمن مشروع جماعي، فإن لم يجده لم يقدر على السير وحيدا أو في قلة من الناس، والتمكين السهل يتطلب التنازل عن بعض العقيدة، وينسى أن مهمته هي أن يحيا مسلما ويموت مسلما.

وينسى أن الكثير من الأنبياء وأتباعهم عاشوا منبوذين بين أهل الجاهلية واجتنبوا الكفر، ولم يبنوا دولة، ولم يؤثر هذا الضعف في دينهم، فلسنا أول المسلمين الذين عاشوا بين المشركين.

قال الله عز وجل: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (البقرة: 132).

ويقول لنا الله عز وجل في كل أحوالنا: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران: 102).

ويقول: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد: 7)، ولم يقل: إنكم ستنتصرون دون اجتهاد واتخاذ أسباب النصر، حتى لا يخيب ظنُّ مَن ظن أن الإسلام سيمكّن له في أجلٍ يحدّده هو وإلا يرتدّ على عقبيه عندما تتحطم آماله غير الواقعية.

ومنا من يتصور أنه إذا قام القتال قامت الدعوة، يريد صبغ الدعوة كلها بهواية القتال الذي ألِفه من قبل، يظن أن القتال غاية الإسلام وليس نتيجة لمعوّقات تعترض الطريق يتحتم إخضاعها بالقوة، فإن لم تواجهنا تلك المعوّقات أو تمكّنا من تفاديها بقينا على الأصل.

يرى غير المسلمين من كل مذهب ونحلة يقيمون دولا، وليس له دولة يعيش في كنفها، وتحميه من الفتن، وتحفظ أسرته، وينسى أن للمبادئ الجاهلية قاعدة شعبية تؤمن بها، ولم يكن ينقصها إلا السلاح.

فيجب أن نضبط تصرفاتنا بالشرع ونمنع هذا الجنوح، فهذا التفكير كفيل بأن يستغله العدو المتغلغل وسطنا للإيغال بنا في سخافات تشوّه ديننا، وتوريطنا في محرقة دون أن نبلّغه للناس، وهذا يتطلب منا الصبر والأناة، ومهمة أعداء الدين أن يضعونا تحت الضغط حتى لا نفكر في هدوء ونرتبك ونقوم بردود فعل غير مدروسة، فقد تكون مرحلة المحاربة قبل استواء الدعوة مانعا من فهمها واستيعابها.

إن المطلوب هو توفير البديل الواضح الذي يملأ الفراغ، فالدنيا لا تقبل الفراغ، والمتعطشون لساحات الوغى يملكون إرادة في الهدم ولا يفكرون في البناء أصلا، فالناس لا تقبل الفراغ ولا تقبل بديلا غامضا، فإنهم في تلك الحالة سيرفضون تغيير الوضع القائم بكل ما فيه من سيئات لاعتيادهم له ومعرفتهم بطرق التعامل معه.

وهناك من رأى أن حجة التوحيد مقامة على الناس اليوم لوجود المصاحف والأذان الذي يرتفع من المساجد، ثم يبني عليها ما بعدها من إعلان الجهاد تبعا لدعوة غير دعوة التوحيد، ويربط دعوة التوحيد بتجارب دعاة الشرك بصفتها فصيلا من عموم الصحوة وما يسمى بالتيار الإسلامي، كأنها لم تنفصل عنه بعقيدة مستقلة.

وقد يربط الدعوة بالإنفتاح السياسي، فإذا حصلت حرية سياسية وتعددية حزبية ديمقراطية وأعطي له مجال من حرية التعبير توهّم أن الإسلام قادم وأن النصر على الأبواب، دون مقدمات منطقية ولا أسباب موضوعية، فإذا أغلقت الساحة انكفأ على نفسه لا يحرك ساكنا، وعاد إلى عزلته يائسا من رحمة الله.

ومنا من يئس من استجابة الناس، وأنه لن يؤمن إلا من قد آمن، كأنه دعا دعوة نوح عليه السلام، ووصل الحال ببعض العاطلين إلى البحث عن دليل على تحريم دعوتهم وإيجاب الاعتزال في شعف الجبال.

والبعض لا يملك حتى الحد الأدنى من الفهم مع الأسف ويجمع بين المتناقضات، يتصور وهو عاجز عن التحكم في أبنائه أن الإسلام في طريق التمكين، وهو مقتنع بأن الإسلام عاد غريبا كما بدأ، ومع ذلك يرى أن الخلافة على الأبواب، غافلا عن سنن الله الكونية، ومنها سنة التدافع التي تحكمت حتى في دعوة الأنبياء، ولذلك تعب الأنبياء وقاتلوا وقُتلوا، وتعاملوا مع البرد والجوع والاستضعاف كما يتعامل سائر البشر مع المعوّقات التي تعترضهم.

والحديث عن الخلافة والحكم الجبري يعني أن المشكلة سياسية متعلقة بالاستبداد وانعدام الشورى، لأن مشكلة الكفر لا تحلّها الخلافة مع بقاء الناس على معتقدهم، وهي لا تقوم إلا إذا وُجد مَن يؤمنون بالدين الذي قامت عليه الخلافة أول مرة، لكن البعض يفهمون أشراط الساعة خارج إطار التوحيد وهم لا يشعرون، وينتظرون خروج المهدي ونزول المسيح بين هذه الأمة وهي على هذه الحال، غير مستشعرين لخطر الكفر، وإن سمّوه كفرا بألسنتهم.

وهناك من يبحث عن جماعة ودولة ينضوي تحتها حتى يكون مسلما، لا عن دين بينه وبين الله تجتمع عليه بعد ذلك جماعة، ويشترط تيارا يسير مع موجته دون تعب، وهذا حال عامة الناس، لا يدخلون في الاسلام إلا إذا تجسد في دولة، والقليل منهم من يصبر على معاكسة التيار.

وأمور الناس لا تستقيم كلية، ولا يتحولون إلى ملائكة، وليسوا مأمورين بذلك، فطريق الإصلاح ليس ممهّدا، وأوضح مثال هو دعوة الأنبياء وصراعهم مع الظروف الضاغطة التي تأخذ المسلم بعيدا عن مسار دعوته، ومعاناتهم مع أتباعهم، دعنا من أعدائهم، كما نقرأ في سيَر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فيوسف عانى من إخوته ما عانى، وسُجن في قضية لا علاقة لها بدعوته، ونوح ولوط كفرت بهما امرأتاهما، وأيوب أقعده المرض الطويل، وموسى أتعبه بنو إسرائيل أكثر مما لقي من فرعون.

فالانحرافات في الطريق يجب إنكارها، والأخطاء يجب إصلاحها، ولا يصح أن تصيبنا بالإحباط، فالإنزعاج من المشكلات والمخالفات والخلافات والردة والتساقط على الطريق يؤدي إلى الإلقاء بالأيدي إلى الهزيمة، ولمثل هذه الانحرافات كانت الدعوة والجهاد وتغيير المنكر، فليست معوّقات وعراقيل، بل ذلك هو مجال عمل الدعوة، فالمرض ليس معوّقا للطبيب، بل هو عدوه، ولذلك وُجد الطبيب، وتلك هي مهمته.

فلا يصح أن نقول كلما وقع خطأ أنه يلزمنا الكثير وما زلنا بعيدين عن الإسلام، أو أننا لن نتقدم أبدا ولن يصلح حالنا، فقد وقع بعض المسلمين زمن النبي صلى الله عليه وسلم في ما لم نقع فيه نحن، وجهلوا ما يعلمه صغيرنا وكبيرنا اليوم، بحكم أنهم كانوا حديثي عهد بأحكام الشرع، وقد كان فيهم من أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم داعية فارتد عن الإسلام وحرّف دين الله، وكان فيهم من أمّره على جيش المسلمين وهو منافق ثم أعلن ردته في أول فرصة وحارب المسلمين، وكان فيهم من لم يتخلص من عصبية الجاهلية، وكان فيهم من يؤذي جاره، وكان فيهم من يسرق ومن يشرب الخمر وهو يصلي خلف الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان فيهم من يخرج غازيا في سبيل الله ويغلّ من الغنائم، ومن يقتل أحدا لشيء كان بينهما قبل الإسلام، وكان فيهم من تسبّبوا في قتل صاحبهم الجريح لجهلهم بحكم التيمّم.

وهذا ليس انتقاصا منهم، ولكنه واقع يفهمه العارفون ويتفهّمونه، ويضعونه في سياقه التاريخي وظروفه، فالصحابة لم يكونوا ملائكة، لكن عظمة ذلك الجيل تجلّت في قدرته على التطهر من كل أدران الجاهلية التي كان عليها، وبذلك فُضِّلوا علينا، فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعالج مثل هذه الأمراض للارتقاء بأهلها في سلّم التقوى، فكان يشدّد حينا وييسّر أحيانا ويسدّد ويقارب وينصح ويصعد المنبر فيقول: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا، إلى أن أخرج منهم خير القرون.

فلنجمع العقيدة مع التزكية، وأعمال القلب مع أعمال الجوارح، وشرائع الفرد مع شرائع الجماعة، حتى لا نتفرق شيعا وأحزابا كلٌّ منها تهتم بجانب من الدين وتضخّمه، فالدعوة التي تحقق الإسلام حقا هي التي تجمع بين تقرير الأحكام والتربية في وقت واحد، وتنهي حالة الفصام النكد والعداء المفتعل بين المنهجين، كما وقع بعد عصر الصحابة والتابعين الذين كان علماؤهم عبّادا وعبّادهم علماء.

ثم ساد العابد الجاهل والعالم الفاسق، وتباعدا وازداد الشقاق بينهما، وكل منهما يقول أن الآخر ليس على شيء، فالعابد يستهين بالأعمال الظاهرة، والعالم يستهين بالأعمال الباطنة، وضُرب الدين بعضه ببعض.

ونحن ورثنا ذلك عمن سبقنا، فاهتمامنا بأصل الدين وما يعترضه من شبهات ألهانا عن تزكية أنفسنا، فوُجد فينا من يصدّ الناس عن الإسلام بأخلاقه الجاهلية، وصار الزهد والخشوع بعيدا عن الشرع، كأنه خارج من دين آخر، وصار العلم بعيدا عن التقوى وخوف الله وارتبط بالمراء والرياء وقساوة القلب، كأن للشرع غاية أخرى غير إصلاح النفوس.

كل هذه الثغرات ونقاط الضعف يجب أن ننتبه إليها لنسدّها، وإذا تفطن لها العدو قبل أن نصلحها ركّز عليها ليزيدها اتساعا، وعندها قد لا ينفع الدواء، والعدو لا يخترع نقاط ضعفنا اختراعا، ولا يقدر على ذلك إذا وجد فينا مناعة تصدّه، ولكن يبدأ مما هو موجود وينفخ فيه ليدفعنا نحو الانهيار ونخرّب بيوتنا بأيدينا.

إن الحركة خلال هذه السنين هي كل ما يستطيع هذا الجيل إنتاجه وما يصل إليه طموحه في ظل الظروف المحيطة، وما نحن سوى مرحلة من المراحل المتتالية التي تدفع إحداها نحو الأخرى، وكل مرحلة هي رد فعل متقدم على عجز السابقة، وامتداد لها في نفس الوقت، ولا بد أن تناجز ما سبقها وتنافسه حتى تتغلب عليه، ثم تستوي لتقوم أخرى بعدها بنفس الأدوار.

والجيل الذي ينفق طاقاته في تسوية الخلافات لإعادة تشكيل العقيدة في نفسه لا يستطيع أن يقود غيره إلى الإسلام، لأن عقيدته لم تجتمع أجزاؤها المبعثرة بعد، وتعاني من كثير من الخلل والقصور والتصورات الخاطئة، فالعقيدة التي تشكلت من ردود وأبواب مختلفة لا تستطيع أن تنتج وتبث فيه الطاقة الدافعة إلى التحرك بالدين، إلا بعد أن تستقر قواعدها البسيطة عنده.

ولذلك علينا أن نرأف بأنفسنا ولا نحمّل أنفسنا ما لا تطيق، وليأخذ بعضنا من بعض، هذا يأتي بمعنى من هنا والآخر يقدم فكرة من هناك، ونستفيد من بعضنا حتى تصحّح الأخطاء وتسوّى الانحرافات.

ونسأل الله كما سأله عمر بن الخطاب: (اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا)، وإن كان الوحي اليوم محسوما ومنقطعا، فالمشكلة فينا إذ لم نحسن إنزاله على واقعنا وفق مراد الله.

إننا لم نصل بعد إلى تصور شامل وبسيط للإسلام، ولم نتخلص نهائيا من الركام الموروث الذي يعشش في عقولنا منذ قرون، ولا يزال أمامنا الكثير، فيلزم أن نهيّء أنفسنا ونبدي القابلية والاستعداد لتقبّل الحق المخالف لما كنا عليه إن ظهر خطأنا، فعندما نكون أهلا لحمل هذا الدين سنجده أمامنا يتقدمنا، فالمشكلة كانت فينا دوما، إذ لم نكن يوما في مستوى هذا الدين.

لقد كتب الله علينا أن نعيش في هذا الزمان فيجب أن نكون رجاله، وأحلام اليوم هي حقائق الغد، وإذا علم الله في قلوبنا خيرا أتانا خيرا، فما هي إلا معارك صغيرة في حرب طويلة لا تنتهي إلى قيام الساعة، فدعوة الإسلام لا تستريح ما دام في الأرض كفر.

ويجب أن ننتبه إلى أننا قدمنا من تيارات جاهلية عدة، ففي جهادنا لاكتشاف الإسلام والإجتماع على هذا الدين مع تعدد مشاربنا نحن أشبه بمن دخلوا المدينة من أبواب متفرقة ليلتقوا في قلبها، فلا بد أن طرقهم تختلف، ولا بد أن بعضهم يصل قبل الآخر، فمنهم من يسلك الشارع الكبير المستقيم، ومنهم من يسلك شوارع فرعية ملتوية، لذلك نرى هذا التفاوت في فهم التوحيد، فمنا من يملك فهما متقدما عن غيره، وربما لم يصل إلى تَمثّل العقيدة كاملة، وهناك من لا يزال بعيدا غارقا في انحرافات كثيرة.

فالناس يقتربون اليوم من تحقيق الإسلام من سائر الطوائف والمذاهب والأفكار، وقد يأخذون معهم الكثير من مخلّفات الفرق القديمة، وبعض الشبهات هي عند البعض قوية والبعض تجاوزها أو لا يراها شبهة أصلا.

ولا يصح أن نضع أمامنا في مسيرة بحثنا عن الدين خطوطا حمراء فكل ما ورثناه معرّض للتشريح في ضوء الكتاب والسنة، فعودة الإسلام ستكون بحركة تجديدية جذرية أو لا تكون، تتجاوز الكثير من المسلّمات اليوم.

وقد بدأت المسائل التي ضل فيها السابقون تصفو شيئا فشيئا، وقد طرِح اليوم كل شيء على مائدة النقاش والبحث وأصبح الجميع مطالبا بالدليل على معتقده، ولم يعد هناك مجال للتقليد الأعمى، وتيقن الجميع تقريبا من وجوب الرجوع إلى المعين الصافي الذي يملك الطاقة الدافعة والمحرّكة، عِوضا عن العودة إلى عهود الانحطاط.

فالإسلام اليوم في إقبال وليس في إدبار، لكن حاله وهو في إقبال اليوم ما زال أسوأ من حاله وهو في إدبار من قبل، لأننا لم نصل حتى إلى مستوى الضلال والفساد الذي كان يظهر شيئا فشيئا بين المسلمين، كما أشار إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) (رواه البخاري ومسلم)، لكننا اليوم نتقدم من الشر إلى الخير، أما الأولون فكانوا يتأخرون.

نقول للمحبَطين: لا تفهموا المستقبل بمعطيات الحاضر، فللمستقبل معطيات أخرى لا نتصورها، فهناك شعور عام بأن هذه الإنكسارات والمراجعات والتراجعات أفضل من لا شيء، لأن القاعد لا يسقط، فهذا شر لا بد منه، فالباحثون متفرقون لكنهم يتقدمون على العموم ويقتربون أكثر مما فات، وفي آخر المطاف وبعد سنين من الجدال سنعود لبساطة الإسلام التي يفهمها العامي.

لقد تمت خلخلة الأفكار النمطية السائدة نوعا ما، فتنبّه الكثير من الناس إلى أن الإسلام يجب أن يُكتسب لا يورث أبا عن جد دون أن يحمله الإنسان في عمله واعتقاده، لأن الناس كانوا يظنون أنهم وُلدوا مسلمين ولا يحتاجون إلى من يعلمهم دينهم، وقد بدأ الناس يميزون بين ما هو من الإسلام وما هو غلو وحماقات من أتباعه أو من المظاهر الشاذة التي ارتبطت بالإسلام.

وتبقى على الدوام طليعة رائدة تتقدم لإحياء الدين، فالكثير من الأمور التي تصدم الناس اليوم ستصبح يوما ما مشهورة وواقعا لا ينتطح فيه عنزان، والمسائل التي يحييها الرواد المجتهدون تصبح مشاعة بين العوام شيئا فشيئا، فينتقل الجيل الحاضر إلى المرحلة القادمة المتقدمة.

وعلى من عاشوا المراحل السابقة ألا يقفوا حجر عثرة في وجه التقدم والاستكشاف المتواصل لحقائق الدين، فيبني اللاحقون على ما وصل إليه السابقون من حق، ويُصلحون ما بقي من فساد في دينهم، ويبحثون عن حلول لمشاكلهم الآنية.

نقول لأنفسنا وللذين يأتون من بعدنا وقد صرنا جزءا من الماضي بحلوه ومرّه: هذا حالنا بدون تزويق ولا زخرفة، وهذا ما فهمنا من الرسالة التي تلقيناها محرّفة تأويلا لا تنزيلا، وأشياء أخرى تعرفونها فينا ولا نعرفها، لأن غشاوة الشبهات تمنعنا من الرؤية الآن، ويومها ستكون جهالاتنا قد دُفنت معنا، فإذا رأيتم فرصة التوبة أو التصحيح قد فاتتنا فلا تفوتَنّكم، فإنها ليست نافلة، ولكن: حتى لا يستبدل الله بكم قوما آخرين من بعدكم، فإما أن تكونوا أو لا تكونوا.

هذا حالنا، فكيف يكون حالكم؟ أسأل الله أن تكونوا قد وصلتم إلى برّ الأمان، وأن يعافيكم الله مما ابتلينا به، وأعيذكم بالله أن تقولوا: ما أشبه الليلة بالبارحة، أو رحم الله فلانا، كيف لو رأى زماننا؟!

وهذه الكلمات ليست وصية مودِّع ولا بيان استقالة ولا جلداً للذات، ولكن أردت غرسَ فسيلة لعلّ وعسى، وكما قال الأول: غرسوا فأكلنا ونغرس فيأكلون..


تحميل الملف
آخر تحديث للموقع : 05-07-2020